التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيران في قلب العاصفة: معركة الإرادات في مواجهة مشروع الهيمنة

سلام جاسم الطائي 

باحث بالشأن السياسي 

تتصاعد حدة التوترات العسكرية في المنطقة في مشهد يصفه كثير من المراقبين بأنه أقرب إلى الدوامة الجهنمية، حيث وجدت المنطقة نفسها منساقةً نحو مواجهة مفتوحة عقب قرار الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي شن هجوم واسع على الجمهورية الإسلامية، استنادًا إلى تقديرات استخباراتية تعد طهران تهديدًا وجوديًا لمصالح الشيطان الأكبر وأطماع الغدة السرطانية في المنطقة العربية. غير أن القراءة المتأنية لما يجري تكشف أن الأمر يتجاوز بكثير حدود التقديرات الأمنية أو الحسابات العسكرية الضيقة، ليعبّر عن محاولة أوسع لتصفية عناصر الاقتدار في المنطقة وإعادة رسم موازين القوة بما يضمن استمرار الهيمنة الأمريكية والتفوق الاستراتيجي لكيان الاحتلال الصهيوني.

في عواصف التاريخ الكبرى تتلاشى المناطق الرمادية وتتمايز الصفوف، فلا يبقى في نهاية المطاف إلا فسطاطان: فسطاط الحق الذي يأوي إليه الأحرار، وفسطاط الباطل الذي يجمع أشتات الإجرام. وما يجري اليوم في منطقتنا لا يمكن قراءته بوصفه صراعًا سياسيًا عابرًا أو جولة عسكرية محدودة، بل هو مواجهة وجودية مفتوحة تتقاطع فيها الأبعاد الجيوسياسية والعسكرية والفكرية. إنها مواجهة بين مشروع يسعى إلى تثبيت نظام إقليمي قائم على الهيمنة وإدامة التفوق الإسرائيلي، ومشروع آخر يحاول كسر هذه المعادلة وفرض توازن جديد في موازين القوة. وفي قلب هذه المعادلة يقف محور المقاومة، وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية في إيران، بوصفه القوة التي حالت خلال العقود الماضية دون اكتمال مشروع السيطرة المطلقة على المنطقة.

لقد أثبتت التجربة أن الصراعات الكبرى لا تُحسم فقط في الميدان العسكري، بل في طبيعة الاستراتيجية التي تدير بها الأطراف المتصارعة هذا الميدان. ومن هنا يمكن فهم السلوك الإيراني في هذه المواجهة من خلال ما يمكن تسميته استراتيجية النفس الطويل، وهي مقاربة تقوم على إدارة الصراع بطريقة متدرجة تتجنب الوقوع في فخ الحسم الخاطف الذي تسعى إليه واشنطن وتل أبيب. فبدلاً من الانجرار إلى مواجهة سريعة تحاول الولايات المتحدة وكيان الاحتلال فرض إيقاعها، تفضّل طهران إدارة المعركة ضمن معادلة استنزاف مركّب يربك الخصم ويعطّل قدرته على فرض شروطه.

ضمن هذا السياق، لم تكن جولات الوعد الصادق  مجرد ردود فعل ظرفية أو عمليات عسكرية محدودة، بل كانت في حقيقتها مراحل تمهيدية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. فقد شكّلت تلك العمليات نوعًا من البروفات الاستباقية التي أعادت رسم حدود الردع وحددت طبيعة التوازنات الجديدة. ومع اتساع رقعة المواجهة، بات واضحًا أن المعركة لم تعد تدور فقط على مستوى الجغرافيا المباشرة للصراع، بل على مستوى المنظومات الاستراتيجية التي تدير هذا الصراع.

غير أن المسألة في جوهرها لا تتعلق فقط بتفاصيل عسكرية أو تكنولوجية، بل ترتبط بسؤال أعمق يتصل بمستقبل المنطقة وهويتها السياسية. فكيان الاحتلال الصهيوني لم يخفِ يومًا طموحاته التوسعية أو سعيه الدائم إلى فرض واقع إقليمي قائم على التفوق المطلق، مستفيدًا من شبكة تحالفات دولية وإقليمية تهدف إلى تأمين هذا التفوق وإدامته. وقد ارتبط هذا المشروع منذ بداياته بفكرة إعادة تشكيل المنطقة عبر إضعاف الدول العربية والإسلامية وتفكيك بنيتها الداخلية، تمهيدًا لفرض نظام إقليمي يخضع بالكامل لمنطق الهيمنة.

في مواجهة هذا المسار، برز محور المقاومة الاسلامية وحاول كسر هذه المعادلة ومنع تحول المنطقة إلى فضاء خاضع بالكامل للإرادة الأمريكية والإسرائيلية. وفي هذا السياق تحديدًا يمكن فهم المكانة التي تحتلها إيران في معادلة الصراع، حيث تبدو اليوم، في نظر كثير من القوى الاقليمية الشعبية والسياسية في المنطقة، بمثابة خط الدفاع الأخير عن كرامة الأمة في مواجهة مشروع الهيمنة.

إن نصرة الجمهورية الإسلامية في هذه اللحظة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد موقف سياسي عابر أو انحياز ظرفي في صراع إقليمي، بل هي في جوهرها تعبير عن موقف مبدئي يتعلق بحق شعوب المنطقة في الدفاع عن استقلالها ورفض منطق الاستباحة. فالقضية المطروحة اليوم تتجاوز حدود السياسة التقليدية لتلامس سؤال السيادة والكرامة في نظام دولي ما تزال تتحكم فيه موازين قوى غير عادلة.

لقد أثبت التاريخ مرارًا أن مشاريع الهيمنة تبدأ دائمًا بمحاولة كسر إرادة القوى التي تقف في خطوط المواجهة الأولى. فإذا ما نجحت في ذلك، فإن الطريق يصبح مفتوحًا أمام مرحلة أوسع من فرض الإملاءات السياسية وإعادة رسم خرائط النفوذ. أما إذا فشلت في تحقيق هذا الهدف، فإنها تضطر إلى إعادة حساباتها والقبول بمعادلات توازن جديدة.

ومن هنا فإن المعركة الدائرة اليوم لا يمكن اختزالها في مواجهة بين دولتين أو محورين فحسب، بل هي في حقيقتها صراع إرادات حول شكل النظام الإقليمي القادم. إرادة تسعى إلى فرض السيطرة وإعادة إنتاج نظام الهيمنة الذي حكم المنطقة لعقود طويلة، وإرادة أخرى تحاول تثبيت معادلة ردع جديدة تحمي استقلال القرار الاسلامي  وتمنع احتكار القوة.

وبين هاتين الإرادتين يتحدد شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط. فإما أن تنجح مشاريع الهيمنة في فرض واقع جديد يعيد المنطقة إلى دائرة التبعية السياسية والعسكرية، وإما أن تفرض قوى المنطقة معادلة توازن تتيح لها الدفاع عن مصالحها وصياغة مستقبلها بعيدًا عن منطق الإملاء الخارجي. وفي هذا المفترق التاريخي، تصبح المواقف أكثر من مجرد اصطفافات سياسية؛ إنها تعبير عن رؤية لمستقبل المنطقة وعن الإرادة التي ستحدد مصيرها في العقود القادمة







تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...