التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبايكر: الجريمة التي فضحت ثوار العشائر

ناجي الغزي - لم تكن مجزرة سبايكر، التي راح ضحيتها أكثر من 1700 طالب في القوة الجوية العراقية في يونيو 2014، ليست جريمة عابرة، بل لحظة كاشفة لسقوط الأقنعة. ولم تكن مجرد عملية قتل جماعي نفذتها أيادي غادرة، بل كانت نتيجة مباشرة لتحالفٍ شرير بين فلول البعث، وثوار العشائر و تنظيم داعش الإرهابي، والحواضن الاجتماعية السنية التي وفرت لهم غطاء الصمت والموافقة.  وبدعمٍ مالي وإعلامي خارجي، وبمباركة قوى داخلية نافذة رفعت قبل ذلك بأشهر شعارات طائفية في ساحات الاعتصام.

إن جريمة سبايكر لم تكن لحظة معزولة عن سياق الانهيار الأمني والسياسي، الذي خطط له مجموعة معروفة بحضورها في ساحات الاعتصامات, بل كانت نتيجة منطقية لحملة منظمة بدأت عام 2012 في الأنبار، حيث تم استخدام الاعتصامات كساحة لتجميع عناصر "النقمة السنية"، ومنصة للتهديد والوعيد، قبل أن تتطور لاحقاً إلى ظاهرة تسمى "ثوار العشائر"، ومنها إلى مشروع "دولة الخلافة".

اعتصامات 2012.. الولادة السياسية للمجزرة

تحت ذريعة "المظلومية السنية"، تحوّلت ساحات الاعتصام في الأنبار وصلاح الدين ونينوى عام 2012–2013 إلى مراكز تجييش طائفي، رفعت فيها لافتات: "قادمون يا بغداد"  و"الشيعة أبناء المتعة" و "سندخل إلى بغداد ونقطع الرؤوس" في هذه الساحات، ظهر الوجه الحقيقي للمشروع الذي كان يُحضّر، وهو إعادة إنتاج البعث تحت غطاء عشائري- ديني-جهادي، وبقيادة وتخطيط من شخصيات أمثال والهاشمي، والنجيفي، والخنجر، والعاني، والعلواني، والدليمي، والعيساوي، وخميس الخنجر،  الذي لعب دوراً محورياً في تمويل الإعلام الموجه، وشراء الولاءات العشائرية، وتوفير الدعم اللوجستي والسياسي للحراك، بدعم مباشر من قنوات ومخابرات دول خليجية.

كان الهدف واضحاً: تقويض سلطة الدولة العراقية، وإسقاط حكومة نوري المالكي، التي كانت آنذاك تسعى إلى تثبيت الاستقرار، ومحاربة الفساد الاداري والمالي، واستعادة الامن في البلاد، بعد ان فتكت السيارات المفخخة والانتحاريين أسواق المدن الشيعية، والتجمهات ودور العبادة وغيرها.

ثوار العشائر- خدعة قاتلة وخيانة مفضوحة

في يونيو 2014، ومع سقوط مدينة الموصل، تقدمت مجموعات تحت مسمى "ثوار العشائر" إلى مدينة تكريت. لم يكن هؤلاء الثوار سوى بقايا ضباط الحرس الجمهوري والامن والمخابرات البعثية، وأبناء عمومة صدام حسين وأقاربه، وابناء وطبان وبرزان، وفلول عبد حمود، الذين استغلوا فوضى المرحلة وغياب التنسيق، لإيهام الجنود العراقيين بأنهم قوة عشائرية وطنية هدفها حقن الدماء.

وقد ثبت لاحقاً من شهادات أهالي الضحايا، أن الجنود في قاعدة سبايكر سلّموا أنفسهم لهؤلاء بعد أن قالوا لهم: "نحن ثوار العشائر وسنقوم بإعادتكم إلى أهلكم سالمين."

لكن الحقيقة كانت أشد مرارة. فقد اقتيد الجنود إلى مجمع القصور الرئاسية لصدام، وتمت تصفيتهم بدمٍ بارد، وأُعدمت أجيال من خيرة شباب العراق على أيدي قتلة مجرمون يحملون رايات العشائر، وأرواحهم ملوثة بالكراهية والحقد الطائفي، وبصمتهم واضحة تمثل البعث الدموي.

الحواضن العشائرية - ومبايعة البغدادي

ليس سراً أن العديد من العشائر في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى، بايعت "أبو بكر البغدادي" بعد إعلانه الخلافة، وبعضها زُينت منازل شيوخها برايات داعش السوداء. لقد وفروا الملاذ الآمن، وأمدوا التنظيم بالمقاتلين والدعم المالي والمعنوي، وسكتوا على المجازر التي ارتُكبت بحق الأبرياء، بحجّة "الثأر" من حكومة المالكي.

وهذه مسؤولية أخلاقية تقع أيضاً على المجتمع العشائري الذي لم يعلن براءته صراحة من الجريمة، بل التبس عليه موقفه بين من يعتبر ما جرى "رد فعل على الظلم"، وبين من يستمر بالترويج لفكرة أن سبايكر "عملية تمت بتواطؤ من الداخل".

ورغم كل محاولات التشويه، فإن حكومة المالكي كانت الطرف الوحيد الذي وقف في وجه تمدد داعش قبل سقوط الموصل، وحذرت مراراً من خطر الحواضن، والتنسيق بين عناصر البعث والمجاميع المتطرفة. وقد سعى المالكي، خلال ولايتيه، إلى دعم القوات الأمنية، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية، رغم معرقلات داخلية من البيت الشيعي والسني وخارجية شرسة من قبل الجوار الاقليمي.

بل إن أكثر ما يثير الغضب هو أن المالكي أُدين في بعض الخطابات الغربية والإعلام العربي بسبب "عدم استيعابه للعشائر"، بينما كان هو نفسه قد حذّر من استخدامها كحصان طروادة لبعث مشروع إقليمي يهدد وحدة العراق.

التمويل الخارجي والتحريض الإعلامي

جميع الدلائل تشير إلى دور خارجي منظم قاد عملية تشويه الحكومة الشرعية وتقديم "ثوار العشائر" كبديل، وهي عملية تبنّتها قنوات مثل الجزيرة والعربية، ومراكز بحث خليجية، ونشطاء مرتبطين بمشاريع خارجية.

المال الخليجي تدفّق عبر شخصيات مثل خميس الخنجر وغيره، لشراء الزعامات العشائرية، وتمويل "المجالس العسكرية" التي قاتلت الدولة العراقية، قبل أن تتماهي مع داعش لاحقاً. لم يكن ما جرى ثورة محلية، بل انقلاب إقليمي بالوكالة، نفذته أدوات محلية مغمّسة بثقافة الانتقام البعثي.

من يتحمل المسؤولية؟

الحكومة في بغداد آنذاك -برئاسة نوري المالكي- وُضعت في قفص الاتهام الشعبي، لكن من الناحية المؤسساتية، كانت القيادة المركزية تعتمد على تقارير ميدانية من ضباط وقادة المناطق، وهؤلاء إما انسحبوا دون قتال، أو تواطؤوا، أو سقطوا في أول صدمة، أو فقدوا السيطرة على الأرض. وبالتالي، فإن المسؤولية الميدانية تقع على القيادات العسكرية في صلاح الدين وتكريت، ممن تركوا الجنود وحدهم في مواجهة المجهول، بلا قيادة، بلا حماية، وبلا خط انسحاب آمن.

ولا يمكن فهم مجزرة سبايكر دون قراءة أعمق لطبيعة الاصطفاف السياسي والطائفي حينها. فقد استهدفت الجريمة في جانبها الخفي "هوية" الجنود القتلى، الذين تم تصنيفهم مسبقاً على أنهم "جنود شيعة"، يمثلون "جيش المالكي"، ولذلك جرى تصفيتهم بروح انتقامية، ومن خلال خطاب تكفيري وتحريضي يُجرّم الانتماء الطائفي. وما زاد من عمق المأساة هو تواطؤ صمت كثير من القوى السنية في وقتها، سواء بدافع الخوف أو التماهي مع السردية المعادية للدولة.

سبايكر جرح لم يُغلق

إن ما جرى في سبايكر ليس مجرد كارثة إنسانية، بل وصمة عار على جبين كل من دعم، موّل، أو برّر ثوار العشائر، أو تواطأ مع داعش ولو بالصمت.

إنصاف الضحايا لا يكون بتذكرهم في الذكرى السنوية، بل بكشف الحقيقة كاملة، وملاحقة جميع المتورطين سياسياً وعشائرياً وإعلامياً.

إن العدالة لضحايا سبايكر لا تتحقق فقط بمحاكمات لاحقة، بل بمراجعة جذرية للعقيدة العسكرية، وببناء ذاكرة وطنية شجاعة لا تخشى تسمية الأشياء بأسمائها، ولا تخفي القتلة خلف أقنعة "الثورة" أو "العشيرة" أو "الدين". لقد كشفت سبايكر سقوط مشروع "الثورة العشائرية"، الذي لم يكن سوى فخ دموي لتمزيق العراق وإعادة إنتاج القتلة بوجوه جديدة.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...