التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفيليون: حكاية وطن مزّقه التهجير الوحشي..!

 صباح زنكنة – في مثل هذه الأيام، تهبُّ علينا ريح الذاكرة محمّلة برماد البيوت التي هجرت من اهلها وتهُدمت، حيث صدى أصوات الأمهات وهنّ يودعن أطفالهن إلى المجهول، وبعيون الآباء المليئة بالحيرة والعجز أمام قدرٍ جائر لا يمكن كبح اجرامه .

إنها ذكرى تهجير الكورد الفيليين من وطنهم الأم، من ضفاف دجلة إلى حدود الجراح التي لا تلتئم ، ذكرى لا يمكن للزمن أن يطمس ملامحها الحزينة مهما حاول.

لم تكن التهمة سوى انتمائهم إلى هوية مزدوجة: عراقيون حتى النخاع، وأكراد شيعة يحملون في دمائهم عشق الأرض والعرض وصلابة الجبال.

لكن تلك الهوية الناصعة بدلا من أن تكون جسرًا للثراء الإنساني واللحمة الوطنية، تحوّلت إلى قيد حديدي يلف أعناقهم، حين صارت السياسة الطائفية الغاشمة هي اليد العابثة التي تطارد الإنسان حتى في تفاصيل حياته اليومية، في اسمه ولغته، لهجته الدافئة وزيه وفي طقوس أعياده .

فحين تساقطت أوراق التوت عن ذلك الزمن الاغبر ، انكشفت وحشية القرار الذي اقتلع آلاف العوائل من بيوتها وجذورها واصولها على انهم اجانب، اجتثوا كمن يقتلع الأشجار من جذورها ويرمي بها إلى تيه الصحارى البعيدة لتجف او لتعيد الدخول في حياة قاسية فتعيش الهامش مما تبقى.

كانت القوافل طويلة، والليالي باردة، والقلوب متعبة والانفاس متقطعة ، من نجى في المسير نجى ومن لم يكتب له الحياة تناثرت اشلاؤه بعد ان يصبح لقمة سائغة للالغام الارضية او كواسر الصحراء وذئابها.

لم يكن التهجير مجرّد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل كان اجتثاثًا من عمق الروح. كانوا يُساقون إلى الحدود حفاة، لا يملكون إلا صبرًا تقطّع من كثرة نزف وبكاء الاطفال والرضع وانين المرضى وتأوهات الشيوخ مشهد لن يستطيع اي كاتب صياغة تراجيديتها كما لو كان هو الالم بعينه .

ظلّ الكورد الفيليون أوفياء لذاكرتهم، حملوا معهم مفاتيح بيوتهم المهدمة كما يحمل المزارع والفلاح حفنة من تراب الأرض التي عشقها ، وظلّت الحكايات تُروى من جيل إلى جيل: عن الازقة القديمة التي عبقت برائحة الخبز الطازج، عن الأسواق التي كانت تعجّ بأحاديث الجيران، وعن مقامات الأولياء التي كان الناس يقصدونها للدعاء في الليالي المقمرة ، وعن البيوت الفارهة التي سكنها اغنياؤهم .

إن مأساة الكورد الفيليين ليست مجرد فصل مظلم في كتاب التاريخ العراقي، بل هي جرح غير مندمل في جسد الوطن، لفئة دفعت ثمنًا باهظًا لانتمائها لبلاد لم يتنصفهم يومًا،.

واليوم، ونحن نستذكر تلك المأساة، لا بد أن نعيد طرح أسئلة حائرة التي تأبى أن تموت في صدورهم:

متى يُعاد الاعتبار الكامل للكورد الفيليين ويُعترف رسميًا بظلم التهجير الذي تعرضوا له؟

متى ستعود إليهم حقوق المواطنة الكاملة، وتُردُّ إليهم وثائقهم الرسمية التي سُلبت منهم ظلما وعدوانا ؟

هل سيأتي اليوم الذي تُفتح فيه ملفات المفقودين من أبنائهم أمام العدالة، ليعرفوا مصير أحبّتهم الذين غُيبوا في غياهب السجون والمقابر الجماعية؟

هل ستقوم الدولة بتعويضهم تعويضًا عادلًا عن ممتلكاتهم وأراضيهم التي صودرت بغير وجه حق؟

متى تُعاد الجنسية العراقية لمن سُحبت منهم قسرًا، وتُزال عنهم وصمة “التبعية” التي استُخدمت حجة لاقتلاعهم من جذورهم؟

متى يكون للكورد الفيليين تمثيلٌ سياسي حقيقي يُنصفهم ويُعيد لهم صوتهم في وطنٍ ضاق عليهم ظلمًا حقهم من الكوتا الانتخابية؟

وهل سيأتي اليوم الذي نرى فيه المناهج الدراسية تُدرج معاناتهم في صفحاتها، ليعرف الأجيال القادمة ماذا يعني أن يُقتلع الإنسان من وطنه ظلمًا؟

ليست هذه أسئلة عابرة، بل صرخة ضمير حيّ يرفض أن يصمت أمام المظالم، فانصاف الكورد الفيليين ليس منّةً من أحد، بقدر ما هو حقّ واجب الوفاء به .

الكورد الفيليون، بما قدّموه من صبر وصمود، كتبوا بأرواحهم المعنى الحقيقي للوطن بأن ليس قطعة أرض فحسب، بل كرامة تُحفظ، وهوية تصان، وذاكرة لا تُمحى.

في يومهم هذا، ننحني احترامًا لشجاعتهم، ونعدهم أن تبقى قصتهم خالدة في الضمير الجمعي، تذكّرنا جميعًا أن العدل وإن تأخر، لا يموت والحق وان تعذر لا بد ان يتحقق .





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...