د. نبيل رحيم العبادي - خبير مصرفي وقانوني
جاء التقرير الأخير من منتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية ليؤكد ما كان يهمس به خبراء الاقتصاد منذ سنوات، وهو أن عصر الهيمنة المطلقة للدولار الأميركي بدأ يأخذ منحنى الانحدار التدريجي، وإن كان بطيئاً. فبعد ثلاث سنوات من التثبيت، تعتزم البنوك المركزية العالمية خفض انكشافها على العملة الأميركية، متجهة نحو اليورو واليوان الصيني في محاولة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة. بالنسبة للعراق، الوضع أكثر تعقيداً وحساسية، ففي الوقت الذي تخطط فيه الدول الكبرى لتقليص حصة الدولار، لا يمكن للعراق أن يقف مكتوف الأيدي، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التخلي عن الدولار بجرة قلم. لماذا؟ لأن النفط، شريان الحياة الاقتصادية العراقي، لا يزال يُسعر بالدولار، ولأن الاستقرار النقدي للدينار يعتمد بشكل كبير على وفرة السيولة الدولارية. هذا يعني أن المطلوب ليس قطيعة ثورية، بل تحوط ذكي ومحسوب.
إن الخطوة الأولى التي يجب أن يبادر إليها البنك المركزي العراقي هي تنويع سلة احتياطياته النقدية بشكل عملي، بحيث لا يكتفي بالدولار، بل يبدأ بتحويل جزء من تلك الاحتياطيات إلى اليورو واليوان الصيني، بل وإلى الذهب الذي يظل الملاذ الآمن في أوقات عدم اليقين. هذا لا يعني إفراغ الخزائن من الدولار، بل يعني تقليل الاعتماد المفرط عليه من مستويات تقارب تسعين في المئة إلى ما دون الستين في المئة، تماشياً مع المتوسط العالمي الجديد. لكن الأهم من ذلك هو تفعيل أدوات التعامل النقدي المباشر بعيداً عن الدولار، وذلك عبر إبرام اتفاقيات مبادلة عملات مع البنك المركزي الصيني والبنك المركزي الأوروبي. فبدلاً من أن يتحول الدينار إلى دولار، ثم إلى يوان أو يورو لشراء البضائع الصينية والأوروبية، يمكن للعراق أن يسوي تلك المبادلات تجارياً مباشرة بهذه العملات. هذا الإجراء وحده كفيل بتخفيف الضغط على الدولار، وتقليل كلفة التحويل، وحماية الاقتصاد من أي عقوبات ثانوية قد تفرضها واشنطن في ظل التوترات الجيوسياسية التي أشار إليها التقرير.
ولا يمكن الحديث عن هذه الاستراتيجية دون التطرق إلى نقطة جوهرية هي تسعير النفط. صحيح أن تغيير عملة تسعير النفط يحتاج إلى قرار دولي وتنسيق مع منظمة أوبك، لكن العراق يستطيع أن يبدأ خطوات عملية تدرجية، كتخصيص نسبة محدودة من صادراته النفطية، لا تتجاوز عشرة أو خمسة عشر في المئة، لتُسعر وتسوى باليوان أو اليورو مع المشترين الصينيين والأوروبيين. هذه الخطوة، وإن بدت صغيرة، سترسل إشارة قوية للأسواق بأن العراق يسعى إلى مرونة نقدية وحماية سيادية، وستخلق طلباً حقيقياً على تلك العملات داخل النظام المالي العراقي. وفي خضم هذا التحول، على البنك المركزي أن يكون حذراً جداً في إدارة السيولة، فأي انتقال مفاجئ أو غير مدروس قد يخلق فجوة في السوق المحلية ويؤدي إلى اضطراب في سعر صرف الدينار. المطلوب هو خطة انتقالية مدتها خمس سنوات، يتم فيها خفض الانكشاف الدولاري تدريجياً، مع ضمان بقاء احتياطي كبير بالدولار لتغطية الواردات الأساسية من غذاء ودواء ولتثبيت سعر الصرف في الأجل القصير. إن من يقرأ التقرير المذكور بعين الخبرة، يدرك جيداً أن النظام العالمي يتجه نحو تعددية الأقطاب النقدية، وأن الدول التي تسارع اليوم إلى تنويع بدائلها هي الدول التي ستنعم باستقرار نسبي غداً.
أما العراق، الذي يقع في قلب العاصفة الجيوسياسية، فلا يمكنه الاكتفاء بدور المتفرج، بل عليه أن يكون لاعباً ذكياً يستفيد من الفرص دون التضحية بالاستقرار، وإلا بات رهيناً لتقلبات دولار لا يملك ناصية أمره.