📁 آخر الأخبار

من بكين إلى بغداد.. لماذا لا يتبنى العراق فلسفة الصين بكسر ظهر الفساد؟

علي كريم إذهيب - رئيس التحرير

لم يكن قرار الصين إعدام المسؤول السابق يانغ يولين، بعد إدانته بتلقي رشى تجاوزت 2.2 مليار يوان (324 مليون دولار)، مجرد حكم قضائي بحق موظف استغل منصبه، بل كان إعلاناً صريحاً بأن المال العام في بكين خط أحمر، وأن الفساد ليس جريمة مالية فحسب، بل تهديد للدولة واقتصادها ومستقبلها.

وفي المقابل، يقف العراق اليوم أمام مشهد مختلف، لكنه يحمل العنوان ذاته: مكافحة الفساد. فالحكومة برئاسة علي فالح الزيدي أطلقت حملة واسعة طالت مسؤولين ونواباً متهمين بهدر المال العام والاستيلاء على أموال الدولة، في خطوة غير مسبوقة أعادت الأمل بإمكانية فتح أكبر ملفات الفساد التي ظلت لسنوات بعيدة عن المساءلة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي الاعتقالات وحدها؟ وهل يكفي استرداد الأموال المنهوبة لتحقيق العدالة؟ أم أن العراق بحاجة إلى فلسفة جديدة في مكافحة الفساد، تستلهم التجارب الناجحة دون أن تستنسخها؟

التجربة الصينية لا تكمن في عقوبة الإعدام بحد ذاتها، وإنما في الرسالة التي تحملها؛ فلا حصانة لفاسد، ولا نفوذ يحمي مسؤولاً، ولا تسويات تنقذ من تثبت إدانته. إنها سياسة تقوم على يقين واحد: من يعتدي على المال العام سيدفع الثمن.

أما في العراق، فإن الواقع أكثر تعقيداً. فالقوانين النافذة تتيح في بعض القضايا مبدأ التسوية، الذي يسمح بإعادة الأموال المختلسة مقابل الإعفاء أو تخفيف بعض الإجراءات القانونية. ويرى مؤيدو هذا المسار أنه يسرّع إعادة الأموال إلى خزينة الدولة، بينما يحذر منتقدوه من أن يتحول إلى رسالة خاطئة مفادها أن الفساد يمكن أن يكون “مغامرة مربحة”، فإذا انكشف الفاسد أعاد جزءاً من الأموال وخرج بأقل الخسائر.

من هنا، تبدو المعركة الحقيقية أبعد من استرداد الأموال. فالفساد لا يسرق خزينة الدولة فقط، بل يسرق فرص العمل، ويعطل المشاريع، ويؤخر التنمية، ويبدد ثقة المواطنين بمؤسساتهم. لذلك فإن أي سياسة لمكافحته ينبغي أن تحقق هدفين متلازمين: إعادة الحقوق إلى الدولة، وترسيخ الردع حتى لا تتكرر الجريمة.

وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن استرداد الأموال المنهوبة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق العدالة أو ردع الفاسدين. فالمحاسبة القانونية، بحسب الهاشمي، هي الركيزة الأساسية لأي استراتيجية ناجحة، لأن غياب العقوبة الرادعة قد يشجع آخرين على تكرار الجريمة.

العراق لا يحتاج إلى استنساخ النموذج الصيني، فلكل دولة نظامها الدستوري والقانوني، ولا يمكن نقل العقوبات أو الآليات كما هي. لكن ما يمكن استلهامه هو حتمية العقاب، وسرعة حسم القضايا، واستقلال القضاء، وعدم السماح لأي نفوذ سياسي أو حزبي بعرقلة العدالة.

فالاعتقالات الأخيرة التي شهدتها البلاد ستكون بلا قيمة إذا انتهت إلى مساومات أو تأجيلات أو ضياع للملفات بين أروقة السياسة. أما إذا تحولت إلى أحكام قضائية نهائية، واسترداد كامل للأموال، ومصادرة للممتلكات غير المشروعة، ومنع المدانين من العودة إلى المناصب العامة، فإنها ستكون نقطة تحول في تاريخ مكافحة الفساد في العراق.

لقد تعب العراقيون من سماع أرقام المليارات المنهوبة، ومن رؤية المشاريع المتلكئة، ومن انتظار الخدمات التي ابتلعها الفساد قبل أن تصل إليهم. واليوم، يترقب الشارع ما إذا كانت الحملة الحالية ستؤسس لمرحلة جديدة، أم أنها ستكون حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الوعود.

إن نجاح الحكومة لا يقاس بعدد أوامر القبض، بل بعدد الأحكام القضائية التي تصدر، وحجم الأموال التي تعود إلى خزينة الدولة، وقدرة المؤسسات على منع إنتاج الفساد من جديد. فالمعركة لا تنتهي باعتقال مسؤول، وإنما تبدأ من تلك اللحظة.

ويبقى الدرس الأهم الذي يمكن للعراق أن يستفيده من الصين، أن هيبة الدولة لا تُبنى بقسوة العقوبات وحدها، وإنما بثقة المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع بلا استثناء. فعندما يدرك المسؤول أن المنصب تكليف لا امتياز، وأن المال العام أمانة لا غنيمة، عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يخطو بثبات نحو دولة المؤسسات.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول حملة الزيدي إلى بداية عهد جديد في محاربة الفساد، أم أن العراق سيواصل الدوران في الحلقة ذاتها؟ الإجابة لن تكتبها التصريحات، بل ستكتبها المحاكم، وسيحكم عليها المواطن من خلال النتائج، لا الوعود!.




تعليقات