التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بكين إلى بغداد.. لماذا لا يتبنى العراق فلسفة الصين بكسر ظهر الفساد؟

علي كريم إذهيب - رئيس التحرير

لم يكن قرار الصين إعدام المسؤول السابق يانغ يولين، بعد إدانته بتلقي رشى تجاوزت 2.2 مليار يوان (324 مليون دولار)، مجرد حكم قضائي بحق موظف استغل منصبه، بل كان إعلاناً صريحاً بأن المال العام في بكين خط أحمر، وأن الفساد ليس جريمة مالية فحسب، بل تهديد للدولة واقتصادها ومستقبلها.

وفي المقابل، يقف العراق اليوم أمام مشهد مختلف، لكنه يحمل العنوان ذاته: مكافحة الفساد. فالحكومة برئاسة علي فالح الزيدي أطلقت حملة واسعة طالت مسؤولين ونواباً متهمين بهدر المال العام والاستيلاء على أموال الدولة، في خطوة غير مسبوقة أعادت الأمل بإمكانية فتح أكبر ملفات الفساد التي ظلت لسنوات بعيدة عن المساءلة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي الاعتقالات وحدها؟ وهل يكفي استرداد الأموال المنهوبة لتحقيق العدالة؟ أم أن العراق بحاجة إلى فلسفة جديدة في مكافحة الفساد، تستلهم التجارب الناجحة دون أن تستنسخها؟

التجربة الصينية لا تكمن في عقوبة الإعدام بحد ذاتها، وإنما في الرسالة التي تحملها؛ فلا حصانة لفاسد، ولا نفوذ يحمي مسؤولاً، ولا تسويات تنقذ من تثبت إدانته. إنها سياسة تقوم على يقين واحد: من يعتدي على المال العام سيدفع الثمن.

أما في العراق، فإن الواقع أكثر تعقيداً. فالقوانين النافذة تتيح في بعض القضايا مبدأ التسوية، الذي يسمح بإعادة الأموال المختلسة مقابل الإعفاء أو تخفيف بعض الإجراءات القانونية. ويرى مؤيدو هذا المسار أنه يسرّع إعادة الأموال إلى خزينة الدولة، بينما يحذر منتقدوه من أن يتحول إلى رسالة خاطئة مفادها أن الفساد يمكن أن يكون “مغامرة مربحة”، فإذا انكشف الفاسد أعاد جزءاً من الأموال وخرج بأقل الخسائر.

من هنا، تبدو المعركة الحقيقية أبعد من استرداد الأموال. فالفساد لا يسرق خزينة الدولة فقط، بل يسرق فرص العمل، ويعطل المشاريع، ويؤخر التنمية، ويبدد ثقة المواطنين بمؤسساتهم. لذلك فإن أي سياسة لمكافحته ينبغي أن تحقق هدفين متلازمين: إعادة الحقوق إلى الدولة، وترسيخ الردع حتى لا تتكرر الجريمة.

وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن استرداد الأموال المنهوبة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق العدالة أو ردع الفاسدين. فالمحاسبة القانونية، بحسب الهاشمي، هي الركيزة الأساسية لأي استراتيجية ناجحة، لأن غياب العقوبة الرادعة قد يشجع آخرين على تكرار الجريمة.

العراق لا يحتاج إلى استنساخ النموذج الصيني، فلكل دولة نظامها الدستوري والقانوني، ولا يمكن نقل العقوبات أو الآليات كما هي. لكن ما يمكن استلهامه هو حتمية العقاب، وسرعة حسم القضايا، واستقلال القضاء، وعدم السماح لأي نفوذ سياسي أو حزبي بعرقلة العدالة.

فالاعتقالات الأخيرة التي شهدتها البلاد ستكون بلا قيمة إذا انتهت إلى مساومات أو تأجيلات أو ضياع للملفات بين أروقة السياسة. أما إذا تحولت إلى أحكام قضائية نهائية، واسترداد كامل للأموال، ومصادرة للممتلكات غير المشروعة، ومنع المدانين من العودة إلى المناصب العامة، فإنها ستكون نقطة تحول في تاريخ مكافحة الفساد في العراق.

لقد تعب العراقيون من سماع أرقام المليارات المنهوبة، ومن رؤية المشاريع المتلكئة، ومن انتظار الخدمات التي ابتلعها الفساد قبل أن تصل إليهم. واليوم، يترقب الشارع ما إذا كانت الحملة الحالية ستؤسس لمرحلة جديدة، أم أنها ستكون حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الوعود.

إن نجاح الحكومة لا يقاس بعدد أوامر القبض، بل بعدد الأحكام القضائية التي تصدر، وحجم الأموال التي تعود إلى خزينة الدولة، وقدرة المؤسسات على منع إنتاج الفساد من جديد. فالمعركة لا تنتهي باعتقال مسؤول، وإنما تبدأ من تلك اللحظة.

ويبقى الدرس الأهم الذي يمكن للعراق أن يستفيده من الصين، أن هيبة الدولة لا تُبنى بقسوة العقوبات وحدها، وإنما بثقة المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع بلا استثناء. فعندما يدرك المسؤول أن المنصب تكليف لا امتياز، وأن المال العام أمانة لا غنيمة، عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يخطو بثبات نحو دولة المؤسسات.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول حملة الزيدي إلى بداية عهد جديد في محاربة الفساد، أم أن العراق سيواصل الدوران في الحلقة ذاتها؟ الإجابة لن تكتبها التصريحات، بل ستكتبها المحاكم، وسيحكم عليها المواطن من خلال النتائج، لا الوعود!.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...