التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيولة لا تستجدى .. كيف حوّل العراق أزمة المضيق لفرصة لاستعادة قراره المالي؟

د. نبيل رحيم العبادي - خبير مصرفي وقانوني

بعد تأملي في مجريات ماجاء بلقاء دوله رئيس وزراء العراق مع صحيفه الشرق الأوسط و وزن دلالاته على موازين الاقتصاد الكلي، أجدني أمام لحظة فارقة في السياسة المالية العراقية، تستحق وقفةً تحليليةً تليق بحساسية المرحلة وثقافة القرار السيادي.

إن إعلان رئيس الوزراء العراقي صرف النظر رسمياً عن خطوط الائتمان الدولية، سواء من صندوق النقد أو البنك الدولي، ليس مجرد نبأ عابر في سياق تصريح صحفي، بل هو إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة وملف السيولة، في آنٍ واحد. فما كان يُقرأ في دفاتر الاحتياط كخيار إستراتيجي للتعامل مع شح السيولة، أصبح اليوم، في ضوء انفراج الملاحة البحرية واستئناف التصدير، مجرد فرضية لم تعد قائمة على ضرورة ملحة.

من زاويتي المصرفية، فإن هذا القرار يحمل دلالة عميقة على ثقة الحكومة بمرونة الأدوات المحلية، حين تمكنت من سد فجوة التمويل عبر تعبئة السيولة من البنوك التجارية والمركزي، في تجربة هي الأولى من نوعها من حيث السرعة والفاعلية، إذ لم تُحدث هزة في سعر الصرف، ولا تعثراً في الالتزامات الجارية. وهذا يعني أن العراق بدأ يمتلك قدرة على التمويل الذاتي المؤقت، مع ما يعنيه ذلك من تحكم أكبر بملف المديونية، وتجنب شروط الإقراض الدولية التي كثيراً ما ترتب أعباءً هيكلية على الميزانية.

لكن الجانب الأكثر إثارة في هذا الموقف هو الربط غير المعلن بين الأمن الجيوسياسي والمرونة المالية، فبينما كان إغلاق المضيق يضغط على الإيرادات، جاء فتحه ليُعيد التوازن دون حاجة إلى تدخل مؤسسات التمويل. وهنا تبرز حقيقة أن استقرار العراق المالي يظل مرهوناً بتقلبات تصدير النفط، مما يُعيد طرح ملف تنويع الاقتصاد بقوة، ولكن هذه المرة من زاوية أن أي إصلاح هيكلي لا يمكن أن يمر عبر قروض خارجية، بل عبر إعادة توزيع الأولويات الداخلية وإدارة الإيرادات بمنهجية أكثر احترافية.

فيما يخص ملف أوبك ورفع الحصة، فإن ما صرّح به رئيس الوزراء يُقرأ في سياق هذا القرار ذاته، فالعراق يريد حصة إنتاجية تتناسب مع حجمه السكاني وتاريخه النفطي، لكنه لا يريد أن يدفع ثمن هذه الحصة برضوخ لضغوط مالية خارجية. إنه يمارس دبلوماسية الطاقة من موقع القوة الشرائية المحلية، وهذا مستجد مهم يعيد تشكيل صورة العراق لدى المؤسسات المالية الدولية، من دولة مستديمة للاقتراض إلى دولة قادرة على المفاضلة بين الخيارات.

على صعيدٍ آخر، فإن الإفراج عن شحنات الدولار المحتجزة، بعيداً عن منطق المساومات السياسية، وإرجاعه إلى إيضاح مسارات الأموال، يُظهر تطوراً في الإدارة المالية العراقية من حيث الانضباط في تتبع التدفقات، وهو ما يمنح المصداقية أمام واشنطن، ويُقلص هامش استخدام العملة كأداة ضغط مستقبلية. وهذه نقطة جوهرية، لأنها تعزز قدرة الحكومة على إدارة سياسة سعر الصرف دون تدخلات خارجية مفاجئة.

أخيراً، أرى أن القرار يضع العراق أمام اختبار حقيقي لإعادة تصميم علاقته مع المؤسسات الدولية، فلا هو انسحب من اللعبة المالية العالمية، ولا هو أصبح معزولاً عنها، لكنه اختار أن يكون لاعباً بموجب جدول أعماله الداخلي، وهذا في حد ذاته خطوة تستحق المتابعة، لا من باب الاقتصاد الكلي فحسب، بل من باب صورة الدولة وفاعليتها في محيط مضطرب.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...