التخطي إلى المحتوى الرئيسي

«طريق التنمية» الثروة الدائمة التي لا تنضب، ومشروع الدولة الذي لا يموت!

د. نبيل رحيم العبادي - خبير مصرفي واقتصادي

في زمن تتغير فيه خرائط الاقتصاد العالمي، يبرز مشروع طريق التنمية ليس كطريق أسفلتي يمر بين مدن، بل كفكرة تعيد تعريف معنى الثروة في العراق. حين يتحدث المرء عن هذا المشروع، لا يصف ممرا لوجستيا يربط ميناء الفاو بالحدود التركية فحسب، بل يصف تحولا جذريا في ماهية الدولة ذاتها. فالنفط، ذلك المورد الذي ظل لعقود عصب الاقتصاد العراقي، هو في جوهره سلعة استنزافية، تخضع لتقلبات الأسعار، وتترك خلفها اقتصادا ريعيا لا يخلق فرص عمل حقيقية ولا يبني مجتمعا منتجا.

لكن طريق التنمية مختلف، إنه مصدر دائم للإيرادات يتدفق من الرسوم والنقل والتخزين والخدمات اللوجستية، ولن ينضب ما دامت التجارة العالمية مستمرة. إنه النفط الجديد، ليس لأنه بديل للنفط، بل لأنه استثمار للموقع الجغرافي بدلا من استخراج الباطن، وتحويل العراق من بائع خام إلى ممر عالمي يربط بين ثلاث قارات.

لكن هذا الطموح اللامع يحمل في ثناياه سؤالا مصيريا: من يمتلك هذا المشروع؟ الإجابة لا تقبل الالتباس، طريق التنمية ليس مشروع حكومة، لأن الحكومات كيانات مؤقتة تتغير مع كل انتخابات، وتتبدل أولوياتها مع كل وزير جديد. مشروع بهذا الحجم، الذي تقدر تكاليفه بأكثر من سبعة عشر مليار دولار، يحتاج إلى استقرار مالي وإداري لا توفره حكومة مؤقتة، وإلى إرادة وطنية جامعة تجعله ملكا للشعب لا لحزب أو كتلة سياسية، وإلى حماية صارمة من الفساد تمنع تفتيته قبل أن يرى النور.

لذلك، فإن تحويله إلى مشروع دولة مستدام، بكيان مؤسسي دائم لا يتأثر بتغير الحكومات، هو الشرط الوحيد لنجاحه.

إن القول بأن هذا المشروع سيخلق عراقا ثانيا ليس مبالغة، بل وصف دقيق لاحتمال واقعي. فطريق التنمية لا يمد شريطا أسفلتيا بين نقطتين، بل يخلق على طول مساره مدنا صناعية وتجارية جديدة، وموانئ ذكية، ومناطق حرة، وفرص عمل لا تعتمد على وظائف الدولة ولا على صادرات النفط. إنه عراق مواز، يعتمد على النقل والخدمات والصناعة، ويخفف الضغط عن المدن الكبرى المكتظة، ويفتح الباب أمام استثمارات أجنبية مباشرة لم تكن ممكنة من قبل. هذا العراق الثاني لا ينافس العراق الأول، بل يكمله، ويمنحه أخيرا خيارا اقتصاديا غير النفط.

لكن الطريق إلى هذا المستقبل ليس مفروشا بالورود، فهناك تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها. المشروع يحتاج إلى إطار قانوني خاص يخرجه من الروتين الحكومي وإجراءاته البطيئة، ويحتاج إلى هيئة مستقلة تضم خبراء اقتصاديين ولوجستيين من داخل العراق وخارجه، ويحتاج إلى ضمانات سياسية داخلية تمنع استخدامه كورقة في الصراعات بين القوى السياسية. والأهم من ذلك كله، يحتاج إلى اتفاقيات دولية مع تركيا ودول الخليج تضمن استمرارية التدفق التجاري عبر هذا الممر، لأن طريقا لا يمر منه أحد يظل مجرد أسفلت مكلف.

في النهاية، يظل طريق التنمية اختبارا حقيقيا للعقل السياسي العراقي. هل يمكن للساسة أن ينظروا إلى أبعد من ولايتهم الحكومية القصيرة؟ هل يمكنهم أن يبنوا شيئا لا ينهار بتغير الوزير أو انتهاء الدورة البرلمانية؟ الإجابة ستحدد إن كان هذا الطريق سيصبح شريان حياة جديدا للعراق، أو سيبقى مجرد حلم جميل يذبل مع أول تغيير حكومي. الاختيار ليس صعبا في النظرية، لكنه في الممارسة يحتاج إلى شجاعة نادرة وإرادة لا تعرف الانكسار.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...