علي كريم إذهيب - رئيس التحرير
لم يعد الفساد المالي في العراق مجرد جريمة تُرتكب داخل المكاتب المغلقة أو عبر توقيع عقد مشبوه، بل تحوّل إلى آلة تلتهم مستقبل الأجيال، وتبتلع فرص العمل، وتسرق الدواء من المستشفيات، والمدارس من الأطفال، والكهرباء من المدن، والماء من القرى. لذلك فإن السؤال لم يعد: كم سنة يجب أن يُسجن الفاسد؟ بل أصبح: ما العقوبة التي تجعل كل مسؤول يفكر ألف مرة قبل أن يمد يده إلى المال العام؟
إذا كانت الدولة قد بدأت حملة واسعة لملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، فإن المرحلة التالية يجب أن تكون أكثر حسماً؛ وهي إعادة تعريف الفساد بوصفه جريمة ضد المجتمع بأكمله، لا مجرد مخالفة إدارية أو مالية.
اقتصادياً، لا توجد دولة تستطيع تحقيق نمو مستدام في ظل منظومة تسمح بسرقة المال العام. فكل مليار دينار يُختلس يعني مشروعاً متوقفاً، أو مصنعاً لم يُبنَ، أو مستشفى بقي بلا أجهزة، أو آلاف الشباب الذين فقدوا فرصة عمل. ولهذا فإن تكلفة الفساد لا تُقاس بالأموال المسروقة فقط، بل بالخسائر التي تنتج عنها لعقود طويلة.
ولهذا تبرز دعوات شعبية تطالب بتغليظ العقوبات على جرائم الفساد، حتى إن البعض يطرح فكرة اعتبار الفساد المالي بمثابة “جريمة شرف” بحق الوطن، أي جريمة تمس كرامة الدولة وحقوق المواطنين، وتستحق أقصى العقوبات التي يجيزها القانون.
والمقصود هنا ليس مفهوم “جرائم الشرف” المتداول اجتماعياً، وإنما التعامل مع الفساد باعتباره اعتداءً على شرف الوظيفة العامة وشرف الدولة، بحيث يصبح من يثبت عليه نهائياً استغلال المال العام لتحقيق مكاسب شخصية فاقداً لأي امتياز سياسي أو إداري أو اجتماعي.
الوظيفة العامة ليست فرصة للإثراء، وإنما عقد أخلاقي بين المسؤول والمواطن. فعندما يقسم المسؤول على حماية الدستور وخدمة الشعب، ثم يستخدم سلطته لسرقة المال العام، فإنه لا يخون الحكومة فقط، بل يخون ملايين المواطنين الذين دفعوا الضرائب وانتظروا الخدمات.
اقتصادات العالم الناجحة لم تنهض لأنها تمتلك النفط أو الثروات الطبيعية فقط، بل لأنها امتلكت منظومات ردع حقيقية. ففي العديد من الدول، يكفي الاشتباه بتضارب المصالح حتى يستقيل الوزير، بينما في الدول التي ينتشر فيها الفساد، قد تتحول المناصب إلى أدوات لتكوين الثروات الخاصة.
إن استرداد الأموال المنهوبة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده. فالمال يمكن أن يعود، لكن السنوات الضائعة لا تعود، والمشاريع المؤجلة لا يمكن تعويض آثارها بسهولة، وهجرة الكفاءات بسبب الفساد لها ثمن اقتصادي واجتماعي باهظ.
ومن هنا، فإن أي إصلاح اقتصادي جاد يجب أن يبدأ من معادلة واضحة: لا استثمار بلا ثقة، ولا ثقة بوجود الفساد، ولا تنمية في ظل الإفلات من العقاب.
إن المستثمر المحلي قبل الأجنبي يبحث عن بيئة تحكمها العدالة وسيادة القانون. فإذا شعر بأن العقود تُمنح بالرشوة، وأن القضاء لا يلاحق الفاسدين، وأن النفوذ أقوى من القانون، فإنه سيبحث عن سوق أخرى أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.
وفي المقابل، فإن فرض عقوبات صارمة على جرائم الفساد، ضمن إطار دستوري وقانوني يضمن المحاكمة العادلة، يبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الدولة تحمي المال العام ولا تتهاون مع من يعتدي عليه.
لكن هذه العقوبات يجب أن تكون جزءاً من منظومة متكاملة، تشمل الرقابة الإلكترونية، والشفافية في العقود الحكومية، والإفصاح عن الذمم المالية، وحماية المبلغين عن الفساد، وتسريع إجراءات القضاء، واسترداد الأموال والأصول الموجودة داخل البلاد وخارجها.
فالقوانين وحدها لا تصنع النزاهة، كما أن الحملات الأمنية وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع إصلاح إداري ومؤسسي يمنع تكرار الجريمة.
العراق يمتلك من الموارد ما يكفي ليكون واحداً من أقوى اقتصادات المنطقة، لكن هذه الموارد تحتاج إلى إدارة نظيفة أكثر مما تحتاج إلى زيادة في الإيرادات. فالنفط لا يصنع الازدهار إذا كانت عائداته تتسرب عبر منافذ الفساد.
وفي النهاية، فإن معركة مكافحة الفساد ليست معركة حكومة ضد أفراد، بل معركة دولة ضد ثقافة استباحت المال العام لعقود. وإذا نجحت الدولة في ترسيخ مبدأ أن من يسرق قوت الناس سيفقد حريته وأمواله ومنصبه، بعد إدانته بحكم قضائي نهائي يضمن جميع حقوق الدفاع، فإنها تكون قد وضعت أول حجر في بناء اقتصاد قوي، واستعادة ثقة المواطن، وتحويل المال العام من غنيمة إلى أمانة، ومن فرصة للنهب إلى مسؤولية لا يجرؤ أحد على خيانتها. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى حين يصبح القانون أقوى من النفوذ، والعدالة أسرع من الفساد، والمصلحة العامة أعلى من أي مصلحة شخصية.