علي قاسم - كاتب عراقي
ليست كل القيود خسارة. كما أن الحرية ليست دائماً طريقاً إلى المكاسب. وبين هذين المفهومين يقف العراق أمام واحد من أكثر الأسئلة الاقتصادية تعقيداً. هل تقتضي مصلحته البقاء ضمن أوبك وأوبك بلس. أم أن الوقت قد حان ليتحرر من نظام الحصص وينطلق لإنتاج ما يستطيع؟
قد تبدو الإجابة الأولى بديهية لدى من يرى أن زيادة الإنتاج تعني زيادة الإيرادات. لكن الاقتصاد النفطي لا يعمل بهذه البساطة. ففي أسواق النفط لا تُقاس الثروة بعدد البراميل المنتجة وحدها. بل بقيمة تلك البراميل في السوق العالمية. ولهذا فإن العلاقة بين الإنتاج والإيرادات ليست علاقة طردية دائماً. هي معادلة دقيقة تحكمها حركة العرض والطلب وسلوك الأسواق ومستوى الأسعار.
الخروج من منظومة الإنتاج المشترك يمنح العراق حرية أوسع لاستغلال كامل طاقته الإنتاجية. وهو خيار يبدو مغرياً لدولة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم. وتقترب طاقتها الإنتاجية المستدامة من 4.5 مليون برميل يومياً. في حين تفرض عليها التزامات أوبك بلس إنتاجاً يقل عن ذلك بنحو 600 ألف برميل يومياً في الظروف الحالية. ومن الناحية الحسابية البحتة تبدو هذه الكميات إيرادات مفقودة تقدر بمليارات الدولارات سنوياً.
لكن الحسابات النفطية لا تتوقف عند عدد البراميل. فزيادة الإنتاج من جانب منتج رئيسي لا تحدث في فراغ. فهي تؤثر في توازن السوق العالمي. وإذا تزامنت مع زيادات مماثلة من منتجين آخرين فإنها قد تضغط على الأسعار. وعندها قد يخسر العراق من انخفاض قيمة البرميل أكثر مما يكسبه من زيادة الكميات المصدرة. وقد أثبتت دورات النفط السابقة أن ارتفاع الإنتاج لا يقود بالضرورة إلى ارتفاع الإيرادات. إذ يمكن أن يتحول فائض المعروض. ولا سيما إذا ترافق مع تراجع الطلب العالمي. إلى عامل يدفع الأسعار نحو مستويات تُفقد المنتجين جزءاً كبيراً من عوائدهم. وبالنسبة لاقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط. فإن استقرار سعر البرميل قد يكون أكثر أهمية من زيادة عدد البراميل المباعة.
في المقابل. لا يخلو البقاء داخل أوبك وأوبك بلس من كلفة اقتصادية حقيقية. فالحصص الإنتاجية لا تحد فقط من الصادرات الحالية. بل قد تؤدي إلى تعطيل جزء من العائد المتوقع على الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في تطوير الحقول وشبكات الإنتاج والتصدير. وهنا يبرز مفهوم اقتصادي بالغ الأهمية هو الطاقة الإنتاجية الاحتياطية. فالدول المنتجة تنفق مليارات الدولارات لبناء قدرة إنتاجية تفوق ما تضخه فعلياً في الأسواق. وعندما تُقيد هذه القدرة بحصص الإنتاج يبقى جزء من تلك الاستثمارات دون استغلال كامل. وهو ما يمثل تكلفة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.
غير أن هذه التكلفة ليست أحادية الاتجاه. فالطاقة الإنتاجية الاحتياطية تمنح السوق العالمية هامش أمان عند وقوع اضطرابات مفاجئة في الإمدادات. كما تمنح الدول المنتجة قدرة على التدخل السريع عند الحاجة للمحافظة على استقرار السوق. ومن هذا المنظور تصبح كلفة الاحتفاظ بجزء من الطاقة الإنتاجية غير المستغلة ثمناً يُدفع مقابل تقليل تقلبات الأسعار وحماية الإيرادات على المدى المتوسط والطويل. ولذلك فإن تقييم الحصص لا ينبغي أن يقتصر على حساب البراميل غير المنتجة. بل يجب أن يشمل أيضاً القيمة الاقتصادية التي يوفرها استقرار السوق.
ولا يعني ذلك أن جميع مصالح العراق تتحقق تلقائياً داخل المنظمة. فالحصص الحالية لا تعكس بالضرورة كامل إمكاناته الإنتاجية ولا حجم الاستثمارات التي أنجزها خلال السنوات الماضية. لذلك يبقى السعي إلى إعادة تقييم الحصة الإنتاجية خياراً اقتصادياً مشروعاً. لكنه في الوقت نفسه عملية تفاوض معقدة تتداخل فيها اعتبارات السوق مع موازين القوى بين كبار المنتجين. فكل زيادة تمنح لدولة ما تعني عملياً إعادة توزيع الحصص أو زيادة المعروض العالمي. وهو ما يجعل الوصول إلى توافق مهمة تتجاوز الحسابات الفنية البحتة.
لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما يستطيع العراق إنتاجه. بل بما يحتاجه اقتصاده في مرحلته الحالية. فالدولة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على إيرادات النفط تصبح أكثر حساسية لتقلبات الأسعار من حساسيتها لتقييد الإنتاج. وفي مثل هذا النموذج الاقتصادي. تصبح استدامة الإيرادات واستقرارها أولوية تتقدم على تعظيم الكميات المصدرة. لأن أي انخفاض حاد في الأسعار ينعكس مباشرة على الموازنة العامة والاستثمار والإنفاق والخدمات والاستقرار المالي.
ومن هنا تنظر الأدبيات الاقتصادية الحديثة إلى أوبك وأوبك بلس باعتبارهما إطاراً لإدارة تقلبات السوق بقدر ما هما إطار لإدارة المعروض النفطي. فاستقرار الأسعار بالنسبة للدول الريعية ليس مكسباً تجارياً فحسب. أنما عنصر أساسي في الاستقرار المالي والاقتصادي.
لذلك فإن المفاضلة بين البقاء والخروج لا ينبغي أن تُبنى على فكرة السيادة الإنتاجية وحدها. كما لا ينبغي أن تُحسم انطلاقاً من عدد البراميل التي يستطيع العراق ضخها. وإنما يجب أن تنطلق من معيار اقتصادي أكثر دقة. أي الخيار الذي يحقق أعلى إيراد مستدام بأقل مستوى من المخاطر.
وفق هذا المنطق. تبدو الكفة اليوم أكثر ميلاً إلى البقاء داخل أوبك وأوبك بلس. لا لأن نظام الحصص مثالي. ولا لأن حرية الإنتاج تفتقر إلى المبررات الاقتصادية. وإنما بنية الاقتصاد العراقي الحالية تجعل كلفة تقلب الأسعار أعلى من كلفة تقييد جزء من الإنتاج. وفي المقابل. فإن هذا الاستنتاج لا يبرر الجمود. انما يفرض على العراق العمل على تعزيز موقعه التفاوضي بما ينسجم مع تطور قدراته الإنتاجية واستثماراته النفطية.
غير أن القضية في جوهرها تتجاوز أوبك نفسها. فالمعضلة الحقيقية ليست في مقدار النفط الذي يستطيع العراق إنتاجه. بل في مقدار اعتماده عليه. فالدول لا تكتسب حرية قرارها النفطي بمجرد امتلاكها احتياطيات ضخمة. وإنما عندما يصبح اقتصادها قادراً على امتصاص صدمات السوق دون أن تهتز ماليتها العامة أو تتعطل خططها التنموية.
لذلك فإن مستقبل العراق النفطي لن يُحسم داخل اجتماعات أوبك وحدها. بل داخل قدرته على بناء اقتصاد متنوع يقل فيه الاعتماد على النفط عاماً بعد آخر. فعندما يصبح النفط أحد مصادر الدخل لا مصدره شبه الوحيد. ستتحول حرية الإنتاج إلى خيار استراتيجي حقيقي لا إلى مخاطرة مالية. وحتى يحين ذلك اليوم. فإن السؤال الأهم لن يكون هل يبقى العراق في أوبك أم يخرج منها. بل هل نجح في بناء اقتصاد يجعل هذا السؤال أقل أهمية مما هو عليه اليوم.