📁 آخر الأخبار

إعادة تدوير هيبة النقد

د. نبيل رحيم العبادي - خبير مالي وقانوني

في أروقة المال العراقي، كثيرا ما يُختزل السجال حول إعادة تسمية العملة في جاذبية المشهد البصري، دينار أنيق بلا أصفار، وحسابات مختصرة، وصورة ذهنية لنظام نقدي يشبه أنظمة الجوار المستقرة. غير أن صوت الخبرة المصرفية يفرض علينا أن نكون أكثر قسوة ووضوحا مع أنفسنا، فلا السياسة النقدية تصنع بالتمنيات، ولا الإصلاحات الجوهرية تختزل في إزاحة فاصلة عشرية. إن المقترح الذي يتردد منذ سنوات، والقائم على إعادة تسمية العملة بتقسيم قيمتها الاسمية على مئة، هو بلا شك أداة تقنية شديدة الإغراء، لكنه يظل في التحليل العلمي الحديث تتويجا لمرحلة التعافي، لا بدايتها، ونتيجة حتمية لاقتصاد استعاد عافيته الحقيقية، لا مقدمة ناعمة لإيهام الجمهور بأن شيئا جوهريا قد تغير.

إن جوهر الآلية التي تُعرض علينا ليس سوى تدخل فني محاسبي بحت، تُقسم بموجبه كل الأرصدة والرواتب والعقود والأسعار على مئة، وتُستبدل الأوراق النقدية المتخمة بالأصفار بأخرى تحمل أرقاما مختزلة، مع فترة انتقالية تتداول فيها العملتان القديمة والجديدة. ولا يجادل عاقل في أن مثل هذا الإجراء قادر على تخفيف عبء العد والفرز وتبسيط دورات القيود المحاسبية. لكن الخطيئة الكبرى تكمن في أن نحمّل هذه التقنية فوق طاقتها، فنصورها للجمهور على أنها السيف الذي سيقطع رأس التضخم، أو المغناطيس الذي سيجذب الكتل النقدية الهاربة من أحواض المصارف. إن القوة الشرائية الحقيقية للدينار، تلك التي تحدد قيمته في السوق العالمية وسعر مبادلته بسلع العالم الحقيقية، لن تتحرك قيد أنملة بفعل هذا الإجراء وحده. إنها محكومة بإنتاجية الاقتصاد، وتنوع الصادرات، وانضباط المالية العامة، لا بعدد الأصفار المطبوعة على قصاصة الورق.

وهنا، يبرز السؤال المحوري الذي ينبغي أن يرتجف له وجدان صانع القرار: إذا كانت الكتل النقدية المكتنزة في بيوت العراقيين تعادل، وفق بعض التقديرات، أضعاف ما يدور في القنوات المصرفية، فلماذا ستندفع هذه الكتل طواعية نحو البنوك لمجرد أن شكل العملة قد تغير؟ إن الادعاء بأن عملية إعادة التسمية ستجتذب هذه الأموال هو وهم خطير، لمجرد أن مالك المليار دينار القديم الذي ظل أعواما يتهرب من أعين الرقيب، لن يتحول فجأة إلى مستثمر شفاف في النظام الجديد إلا إذا وجد بيئة مختلفة كليا عن البيئة التي دفعته للاكتناز أولا. إن الفترة الانتقالية التي يُخطط لها، بدلا من أن تكون ممرا آمنا نحو النظام الجديد، قد تتحول في بيئة الحوكمة الهشة إلى غطاء مثالي لأضخم عملية غسل أموال في تاريخ البلاد، حيث تُمرر الثروات مجهولة المصدر عبر ثغرات التحويل، وتُلبس ثوب الشرعية في غمرة الارتباك العام بين العملتين.

إن قراءتي العميقة لمؤشرات الاقتصاد العراقي تقول بلا تردد إن الذهاب نحو هذا الإجراء بمعزل عن إصلاحات جذرية هو ضرب من المجازفة التي تخفي وراء بريقها التقني مخاطر هيكلية. إن حذف الأصفار، لمن يفهم روح المال، هو بمثابة جراحة تجميلية لمريض لم يشف بعد من مرضه العضال. العراق ليس بحاجة اليوم إلى إعادة تسمية عملته، بل هو بحاجة ماسة إلى جراحة قلب مفتوح في اقتصاده. السيناريو الوحيد الذي يجعل هذا الإجراء منطقيا وعلميا هو أن نأتي به تتويجا وليس استهلالا. أن نأتي به بعد أن نكون قد روضنا التضخم لسنوات متعاقبة لا تقل عن خمس، بحيث يستقر تحت سقف الخمسة في المئة فيصبح جزءا من الذاكرة لا جزءا من الواقع اليومي. أن نأتي به بعد أن نكون قد فطمنا الموازنة العامة عن هيمنة الريع النفطي، فلا تعود إيرادات النفط تمثل أكثر من سبعين في المئة من دخل الدولة، وينتهي معها عجز الموازنة الهيكلي المزمن. والأهم من هذا كله، أن نأتي به بعد أن نكون قد أعدنا بناء النظام المصرفي من أساسه، بحيث يصبح قادرا على احتضان ملايين المتعاملين الجدد وفق أعلى معايير الشفافية والامتثال، مزودا بأنظمة رقابية قادرة على كشف التدفقات المالية المشبوهة في الزمن الحقيقي، وليس بعد فوات الأوان.

لهذه الأسباب مجتمعة، أقولها بصوت الخبير الذي خبر تعقيدات المال العراقي، إن بوصلتنا يجب أن تتجه أولا نحو الإصلاحات غير البراقة والقادرة على تغيير قواعد اللعبة فعلا، لا نحو الحلول الشكلية التي تمنحنا نشوة مؤقتة. إن إصلاح النظام المصرفي الحكومي يبدأ بجعل الدفعات الرقمية إجبارية لكل الرواتب والمعاملات الرسمية، ليس قهرا للمواطن، بل دفعه عضويا نحو القنوات الشرعية حيث تُبنى التواريخ الائتمانية وتُخلق فرص التمويل. ويترافق هذا مع قانون صارم لمكافحة غسل الأموال يطبق على الجميع، مدعوما بوحدة معلومات مالية مستقلة لا يعلو عليها سلطان. ثم يأتي التحدي الأكبر، معالجة عجز الموازنة بفرض ضرائب تصاعدية على الدخل والثروة، وتقليص النفقات التشغيلية المتفجرة. إذا ما نفذنا هذه الإجراءات الجذرية ونجحنا، سيأتي ذلك اليوم حتما، يوم تصبح فيه العملة قوية فعلا بقوة اقتصادها الحقيقي. عندها فقط، وفي ذلك الأفق البعيد، ستكون إعادة تسمية العملة تتويجا رمزيا غير مثير للجدل، حيث تدخل الأموال المكتنزة طوعا إلى النظام المصرفي لا لأننا غيرنا شكل العملة، بل لأنها وجدت أخيرا ملاذا آمنا وفرصا استثمارية حقيقية تستحق المخاطرة بالظهور. وما لم نسلك هذا الطريق الشاق، فإن أي مسار آخر سيبقى مغامرة محفوفة بالمجازفة، تضيع معها البوصلة بين ما هو تقني عاجل، وما هو استراتيجي آجل.




تعليقات