د. نبيل رحيم العبادي - خبير مصرفي ومالي
بمراجعة تصريحات رئيس الوزراء العراقي، علينا أن ننظر إلى ما وراء العناوين العاجلة، ونقرأ المشهد بوصفه خريطة طريق استراتيجية لا مجرد ردود فعل على أحداث آنية. من زاوية الاختصاص المالي والمصرفي، أرى أن الرؤية العراقية الحالية تتجاوز مفهوم إدارة الأزمات إلى مفهوم بناء المناعة الاقتصادية ، وهو تحول نوعي يستحق التأمل العميق.
فعلى صعيد الطاقة، التمسك بأوبك مع المطالبة بحصة عادلة ليس مجرد ورقة تفاوضية، بل هو رؤية تستشرف المستقبل. العراق يدرك أن النفط لن يبقى المصدر الوحيد للدخل، ولذلك فإن الحصة العادلة اليوم هي ضمانة لتمويل التحول الاقتصادي غداً. هذه الرؤية تتطلب برنامجاً وطنياً لتنويع الإيرادات، واستثمار الفوائض النفطية في مشاريع البنية التحتية والصناعات التحويلية، وهو ما يخلق بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يحتاج بدوره إلى استقرار سياسي وأمني كشرط أساسي.
وعندما نتحدث عن التعاون مع سوريا، فإن الرؤية هنا تتسع لتشمل البعد الجيواقتصادي. فسوريا ليست مجرد جارة، بل هي ممر حيوي يربط العراق بالبحر المتوسط وأسواق أوروبا. إن إعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية مع دمشق تفتح الباب أمام مشروع (طريق التنمية) الذي يربط ميناء الفاو بالحدود السورية، وهو مشروع يغير جغرافية التجارة في المنطقة، ويحول العراق من دولة نفطية مغلقة إلى محور لوجستي ربطي. هذه الرؤية تحتاج إلى تمويل دولي، وتستدعي تطوير القطاع المصرفي العراقي ليكون قادراً على تمويل التجارة البينية وتقديم الضمانات للمستثمرين.
أما فيما يخص العلاقة مع إقليم كردستان، فإن التوسع في هذه الرؤية يعني أن الحل ليس مجرد تسوية مالية، بل هو شراكة في إدارة الثروة الوطنية. من الناحية المالية، أي اتفاق نهائي ينهي الخلافات حول النفط والموازنة سيفتح الباب أمام مراجعة شاملة لعقود النفط، وإعادة هيكلة شركة النفط الوطنية، الأمر الذي يعزز شفافية الإيرادات ويزيد من تصنيف العراق الائتماني لدى وكالات التقييم الدولية.
ولا يمكن إغفال الجانب الأمني في هذه الرؤية الموسعة. إن رفض استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي اعتداء على الجوار، مع التحقيق الجاد في الهجمات الماضية، هو رسالة للأسواق العالمية بأن العراق يلتزم بميثاق الاستقرار. هذا الموقف يقلل من أقساط التأمين على الشحنات التجارية، ويحسن مناخ الاستثمار، ويجعل بغداد وجهة آمنة للشركات العالمية التي تبحث عن بوابة للأسواق الإيرانية والسعودية والكويتية مجتمعة.
في الختام، الرؤية العراقية الحالية وإن بدت مواقف آنية، إلا أنها ترتكز على فهم عميق بأن الاقتصاد القوي هو نتاج السياسة الخارجية الحكيمة والاستقرار الداخلي المتماسك. التحدي الحقيقي ليس في إطلاق التصريحات، بل في ترجمتها إلى سياسات نقدية ومالية قابلة للتنفيذ، وفي بناء مؤسسات مصرفية قادرة على مواكبة هذا الطموح الإقليمي المتزايد. إن ما نراه اليوم هو عراق يخطو بثبات نحو أن يكون لاعباً محورياً في معادلة الاقتصاد الإقليمي، لا مجرد متفرج على صراعات.