التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مليون دينار شهريًا لكل «كلب»… أين ذهبت الأموال؟

علي كريم إذهيب -  رئيس التحرير

عندما تغوص في بحر الاقتصاد والمال في العراق، لا تحتاج وقتها إلى أسطوانة أوكسجين، بل إلى عدّاد للأرقام المهولة التي ستقرأها، ولن يستوعبها العقل البشري، إذ إن جلّها تنتهي بستة أو سبعة أو تسعة أصفار، بمعنى أن الحديث يدور عن الملايين والمليارات والتريليونات. ثم تنتقل من مرحلة العملة المحلية إلى مرحلة العملة الأجنبية (الدولار الأميركي)، الأقوى عالميًا.

عند وصولك إلى هنا، أنا متأكد من دهشتك من عنوان مقالي، وربما تتساءل: ماذا أقصد؟ نعم… لقد طال الفساد في العراق كل شيء، فلم يسلم منه الأخضر ولا اليابس، حتى وصل إلى طعام كلاب الحراسة (K9) التابعة للوقف السني العراقي.

نعم، فساد مالي وهدر للمال العام في عقود شراء طعام وفيتامينات وشامبو كلاب الحراسة (K9) لمدة ثلاث سنوات (2017-2018-2019)، بحسب تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي للنصف الثاني من عام 2020. إذ اشترى الوقف مواد غذائية وفيتامينات وشامبو لـ7 كلاب حراسة بمبلغ 7 ملايين دينار، أي ما يعادل (5,344 دولارًا أميركيًا) وفق سعر الصرف الحالي البالغ 1320 دينارًا للدولار الواحد، وبمعدل مليون دينار شهريًا لكل كلب.

هذه التخصيصات استمرت لمدة ثلاث سنوات، وعند إجراء العمليات الحسابية، فإن مبلغ السبعة ملايين دينار شهريًا يصبح 84 مليون دينار سنويًا، أي ما يعادل نحو (64,122 دولارًا)، وخلال ثلاث سنوات يصل المجموع إلى 252 مليون دينار عراقي، أي ما يقارب (192,366 دولارًا أميركيًا).

لكن هذه الملايين لم تكن مجرد أرقام في جداول محاسبية، بل هي أموال عامة كان من الممكن أن تُحدث فرقًا في حياة عشرات العائلات العراقية التي تعيش تحت خط الفقر. ففي بلدٍ يقف فيه أبٌ عاجزًا عن شراء دواء لطفله، وأمٌّ تؤجل علاجها لأن دخل الأسرة لا يكفي، وشبابٌ ينتظرون فرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم، يصبح كل دينار يُهدر أو يُسرق اقتطاعًا من حق هؤلاء في حياة أفضل. فالأموال العامة ليست ملكًا لمؤسسة أو مسؤول، بل هي ملك للمواطن الذي ينتظر خدمة صحية وتعليمية وفرصة عمل ومستقبلًا أكثر استقرارًا.

ربما تبدو أرقام الصرف صحيحة لمن ليست لديه معرفة بأسعار أغذية كلاب الحراسة وفيتاميناتها، لكن عند البحث عن الأسعار الحقيقية لدى مربي وبائعي كلاب الحراسة، يتبين حجم الفارق الكبير. إذ يبلغ إجمالي تكلفة الغذاء والفيتامين للكلب الواحد يوميًا نحو 7 آلاف و250 دينارًا، أي ما مجموعه 217 ألفًا و500 دينار شهريًا، فيما يبلغ سعر عبوة الشامبو نحو 12 ألف دينار، ويستهلك الكلب الواحد قرابة ثلاث عبوات شهريًا، أي 36 ألف دينار. وبذلك تصبح الكلفة الشهرية الفعلية نحو 253 ألفًا و500 دينار، أي أقل بأكثر من 746 ألف دينار من المبلغ الذي خُصص لكل كلب في العقد.

وإذا كانت قضية سبعة كلاب حراسة فقط كشفت، بحسب تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي، عن هذه الفوارق في الإنفاق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: كم من العقود المشابهة مرت من دون أن يلتفت إليها أحد؟ فملفات الهدر لا تبدأ دائمًا بعقود بمليارات الدنانير، بل قد تبدأ بعقد صغير لا يثير الانتباه، لكنه يعكس أسلوبًا متكررًا في إدارة المال العام، حيث تتحول المبالغ المتفرقة إلى خسائر كبيرة يدفع ثمنها المواطن والخزينة العامة.

والمفارقة الأكثر إيلامًا لا تكمن في أن الدولة تنفق على كلاب الحراسة، فهي تؤدي مهامًا أمنية ومن الطبيعي أن تُخصص لها احتياجات غذائية وصحية، وإنما في حجم الفارق بين ما خُصص لها وما تشير إليه أسعار السوق. والأشد إيلامًا أن يحدث ذلك في العراق، البلد الذي يُصنف بين أغنى دول العالم باحتياطياته النفطية وموارده المالية، بينما ما يزال ملايين العراقيين يرزحون تحت وطأة الفقر والبطالة وتردي الخدمات الأساسية. فمن المؤلم أن يصل الإنفاق الشهري المخصص لكلب، وفق هذا العقد، إلى مليون دينار، في حين أن عائلات عراقية بأكملها تعيش بأقل من هذا المبلغ، ويكافح كثير من الآباء لتأمين لقمة العيش أو شراء الدواء أو توفير مستلزمات الدراسة لأبنائهم. إن القضية ليست مقارنة الإنسان بالحيوان، وإنما مقارنة بين أولويات الإنفاق العام، وبين ما كان ينبغي أن تذهب إليه أموال العراقيين من مشاريع وفرص وخدمات، بدل أن تتحول إلى أبواب يحيط بها كثير من علامات الاستفهام.

وتزداد علامات الاستفهام مع ما أورده تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي من أن كلاب الحراسة، التي صُرفت لها هذه المبالغ على الغذاء والفيتامينات، كانت عند الفحص الطبي مريضة وغير مؤهلة للخدمة. 

فإذا كانت الأموال قد خُصصت لضمان جاهزية هذه الكلاب، فلماذا انتهى الأمر بحيوانات غير صالحة لأداء واجبها؟ وهل كان الخلل في نوعية المواد المجهزة، أم في آلية الصرف، أم في الرقابة على تنفيذ العقد؟ تلك أسئلة يفرضها التقرير الرسمي، وتبقى الإجابة عنها مسؤولية الجهات الرقابية والقضائية المختصة.

فالمال العام لا تُقاس قيمته بحجم الأرقام المدونة في العقود، بل بعدد المواطنين الذين كان يمكن أن تتحسن حياتهم لو أُنفق في مكانه الصحيح. وحين يتحول الإنفاق إلى باب للهدر أو الفساد، فإن الخاسر الحقيقي ليس الخزينة وحدها، بل كل عراقي ينتظر مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وفرصة عمل تحفظ له كرامته. وربما لهذا السبب لا تُقاس خطورة الفساد بحجم الأموال المهدورة فقط، بل بحجم الأحلام التي سُرقت من شعب يمتلك بلده ثروات تكفي ليعيش بكرامة، لو أُديرت تلك الثروات بأمانة وعدالة.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...