التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ثراء مفاجئ على الهامش المظلم: كيف تصنع الأسواق غير الشرعية “نجومية” موازية في العراق؟

عراقنا بلس - في كل مرة تُعلن فيها الأجهزة الأمنية عن إلقاء القبض على أحد “المشاهير” بتهم تتعلق بتجارة المخدرات أو شبكات الدعارة، لا تكون الصدمة في الجريمة بحد ذاتها، بل في حجم الثروة التي تكشّف عنها التحقيقات. منازل فخمة في أحياء راقية مثل المنصور واليرموك، شقق واستثمارات خارجية في أربيل وعمان ودبي، وأساطيل من السيارات الفارهة التي يتجاوز سعر الواحدة منها مئة مليون دينار عراقي. هذا المشهد يفتح باباً واسعاً أمام تساؤل اقتصادي جوهري: كيف تتشكل هذه الثروات بسرعة، وما الذي يجعل هذه الأنشطة قادرة على إنتاج “أثرياء جدد” خارج المنظومة الرسمية؟

اقتصادياً، يمكن قراءة هذه الظاهرة ضمن ما يُعرف بـ”الاقتصاد الموازي” أو “اقتصاد الظل”، وهو ذلك الجزء من النشاط الاقتصادي الذي يعمل خارج الرقابة الحكومية، ولا يخضع للضرائب أو القوانين التنظيمية. في العراق، ومع تعقيدات المرحلة الانتقالية وضعف بعض أدوات الرقابة، نما هذا الاقتصاد ليصبح بيئة خصبة لأنشطة غير مشروعة تحقق أرباحاً عالية خلال فترات زمنية قصيرة.

الميزة الأساسية لهذه الأنشطة تكمن في “هامش الربح المرتفع” مقابل “المخاطرة العالية”. تجارة المخدرات، على سبيل المثال، تعتمد على سلسلة توريد معقدة تبدأ من الإنتاج أو التهريب وتنتهي بالتوزيع المحلي، ومع كل حلقة ترتفع الأسعار بشكل كبير. هذا الفارق السعري الهائل هو ما يسمح بتراكم الثروات بسرعة لافتة. الأمر ذاته ينطبق على شبكات الدعارة المنظمة، التي تعتمد على استغلال الطلب في بيئات حضرية مكتظة، وتحويله إلى دخل مستمر غير خاضع لأي رقابة.

لكن السؤال الأهم ليس كيف تُجنى الأموال، بل كيف يتم “تبييضها” وإدخالها في الدورة الاقتصادية الرسمية. هنا يظهر دور ما يُعرف بعمليات غسل الأموال، حيث يتم تحويل الأرباح غير المشروعة إلى أصول تبدو قانونية، مثل العقارات أو السيارات أو المشاريع التجارية. شراء المنازل في مناطق راقية مثل المنصور أو اليرموك لا يمثل فقط استثماراً، بل هو أيضاً وسيلة لإضفاء شرعية اجتماعية على مصدر الأموال. كذلك، فإن نقل جزء من هذه الثروات إلى مدن مثل أربيل أو إلى خارج البلاد في عمان ودبي، يعكس محاولة لتنويع الأصول وتقليل المخاطر القانونية.

من زاوية أخرى، تكشف هذه الظاهرة عن اختلالات في هيكل الاقتصاد الحقيقي. فحين يصبح من الممكن تحقيق ثروة خلال سنوات قليلة عبر أنشطة غير قانونية، مقابل صعوبة تحقيق دخل مماثل عبر العمل المشروع، فإن ذلك يخلق “حافزاً سلبياً” لدى بعض الفئات، خصوصاً الشباب. هذا الخلل لا يرتبط فقط بضعف الفرص الاقتصادية، بل أيضاً بتآكل الثقة في العدالة الاقتصادية، حيث يشعر البعض أن الطريق المشروع لا يؤدي إلى نفس النتائج.

كما أن لهذه الظاهرة انعكاسات مباشرة على سوق العقارات. دخول أموال كبيرة وغير منظمة إلى هذا السوق يؤدي إلى رفع الأسعار بشكل مصطنع، ما يزيد من صعوبة حصول المواطنين على سكن مناسب. الأمر ذاته ينطبق على سوق السيارات الفارهة، الذي يشهد طلباً مرتفعاً من هذه الفئة، ما يعزز استيراد سلع كمالية على حساب أولويات اقتصادية أخرى.

في المقابل، لا يمكن إغفال دور الأجهزة الأمنية والقضائية التي تكثف جهودها في ملاحقة هذه الشبكات. إلا أن المعالجة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، لا تكفي. فالمشكلة ذات جذور اقتصادية واجتماعية عميقة، تتطلب سياسات شاملة تشمل تعزيز الشفافية، وتطوير أدوات تتبع الأموال، وتفعيل أنظمة مكافحة غسل الأموال، إضافة إلى خلق فرص عمل حقيقية تقلل من جاذبية الاقتصاد غير المشروع.

في النهاية، ما يظهر على السطح من قصص “ثراء سريع” ليس سوى جزء من منظومة معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية. وبينما تبدو هذه الثروات لامعة في ظاهرها، فإنها في جوهرها تعكس خللاً يحتاج إلى معالجة جذرية، تضمن أن يكون الطريق إلى الثراء في العراق مرتبطاً بالإنتاج والعمل.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...