علي قاسم - كاتب و إعلامي عراقي
تبدو أزمة مضيق هرمز اليوم وكأنها استعادة تاريخية مشحونة لواحدة من أبرز محطات القرن العشرين وهي أزمة قناة السويس 1956 لكن بفوارق عميقة تعكس تحوّل طبيعة الصراع الدولي من السيطرة العسكرية المباشرة إلى أدوات أكثر تعقيدًا تشمل الاقتصاد والطاقة والنقد.
في عام 1956 شكّلت قناة السويس محور صراع بين الدولة الصاعدة بقيادة جمال عبد الناصر والقوى الاستعمارية التقليدية حيث كان التأميم إعلانًا صريحًا عن سيادة القرار الاقتصادي. أما اليوم فإن التوتر في هرمز لا يدور حول ملكية ممر مائي بقدر ما يتمحور حول القدرة على تعطيله أو التحكم في تدفقاته وهو ما يمنح إيران موقعًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها ضمن نظام دولي لم يعد أحادي القطبية.
اقتصاديًا تكشف المقارنة عن تحوّل نوعي في وظيفة الممرات البحرية. ففي حين كانت قناة السويس تمثل شريانًا تجاريًا رئيسيًا لأوروبا فإن مضيق هرمز يُعد اليوم القلب النابض لمنظومة الطاقة العالمية إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي فضلًا عن نسبة كبيرة من تجارة الغاز المسال. هذا التحول جعل أي تهديد لهرمز لا ينعكس فقط على حركة التجارة بل يضرب مباشرة أسعار الطاقة والتضخم العالمي واستقرار الأسواق المالية. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أي تعطيل واسع للمضيق قد يؤدي إلى أكبر صدمة إمدادات في التاريخ الحديث مع محدودية البدائل التي لا تستطيع تعويض سوى جزء بسيط من التدفقات.
أما على المستوى السياسي فإن أزمة السويس مثّلت لحظة أفول القوى الاستعمارية الأوروبية وصعود نظام دولي ثنائي القطبية تقوده الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. في المقابل تعكس أزمة هرمز ملامح نظام عالمي قيد التشكل تتداخل فيه القوة العسكرية مع أدوات النفوذ المالي وتبرز فيه قوى جديدة مثل الصين كلاعب رئيسي في إعادة تشكيل قواعد التجارة والتسعير. ولم يعد الصراع يقتصر على السيطرة الجغرافية بل امتد إلى محاولات إعادة تعريف النظام النقدي العالمي بما في ذلك استخدام عملات بديلة في تسعير الطاقة وهو ما يناقشه صندوق النقد الدولي ضمن سياق (تجزئة النظام المالي)
جغرافيًا يتشابه الموقعان في كونهما (نقاط اختناق) تتحكم بتدفقات التجارة العالمية وهو مفهوم أساسي في دراسات مجلس العلاقات الخارجية.
إلا أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة السيطرة فقناة السويس تقع ضمن سيادة دولة واحدة ما جعل الصراع عليها مباشرًا وواضحًا بينما يقع مضيق هرمز ضمن بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح الدولية والانتشار العسكري ما يجعل أي تصعيد فيه أكثر خطورة وأسرع تأثيرًا على النظام العالمي.
ضمن هذا السياق تطرح مراكز الأبحاث عدة سيناريوهات محتملة:
أولها سيناريو الاحتواء حيث يتم احتواء التصعيد وإعادة فتح الممر تدريجيًا، على غرار ما حدث بعد أزمة السويس.
ثانيها سيناريو الاستنزاف الذي يؤدي إلى اضطراب طويل في الإمدادات وارتفاع حاد في أسعار الطاقة مع تداعيات اقتصادية عالمية قد تصل إلى الركود.
أما السيناريو الثالث وهو الأهم فيتمثل في تحول بنيوي للنظام الدولي حيث تتسارع محاولات فك الارتباط عن الدولار وإعادة تشكيل منظومة التجارة العالمية وهو ما قد يجعل من أزمة هرمز( لحظة تاريخية) تعادل أو حتى تتجاوز في تأثيرها ما مثّلته أزمة السويس.
خلاصة القول إن التشابه بين الأزمتين يكمن في كونهما صراعين على ممرات استراتيجية غيّرتا موازين القوى لكن الاختلاف الجوهري أن أزمة السويس كانت إعلانًا عن نهاية عصر الاستعمار بينما قد تكون أزمة هرمز مقدمة لبداية عصر جديد تُعاد فيه صياغة قواعد القوة العالمية ليس فقط عبر الجغرافيا بل عبر الاقتصاد والنقد والطاقة في آن واحد.