التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحرب الصهيوأمريكية – الإيرانية تضع النفط العراقي في قلب العاصفة.. تراجع الإنتاج، مخاطر التصدير، واقتصاد يواجه اختبارًا وجوديًا

د. أحمد علي الكناني

مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، يجد العراق نفسه في موقع بالغ الحساسية، ليس فقط بحكم الجغرافيا السياسية، بل بسبب اعتماده شبه الكلي على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات العامة. وبين ارتفاع الأسعار عالميًا وتعطل الإمدادات إقليميًا، يقف الاقتصاد العراقي أمام مفارقة معقدة: مكاسب سعرية محتملة تقابلها مخاطر تشغيلية ومالية حادة.

يمثل القطاع النفطي أكثر من 90% من إيرادات الدولة العراقية، ويشكل العمود الفقري للموازنة العامة. ومع تصاعد العمليات العسكرية في الخليج، برزت تحديات مباشرة تمس هذا القطاع الحيوي، في مقدمتها:

• مخاطر استهداف البنية التحتية النفطية في الجنوب، حيث تتركز الحقول والموانئ الرئيسة.

• تهديد خطوط الملاحة في الخليج، ولا سيما في حال تأثر حركة الناقلات عبر مضيق هرمز.

• ارتفاع كلف التأمين والشحن، ما يقلص هامش الربح حتى في ظل صعود الأسعار.

ورغم أن أسعار النفط العالمية سجلت ارتفاعًا ملحوظًا بفعل المخاوف الجيوسياسية، فإن أي تعطّل في الصادرات العراقية قد يبدد تلك المكاسب سريعًا؛ فالعبرة ليست بسعر البرميل فقط، بل بقدرة العراق على تصديره بانتظام.

إن معادلة الأسعار قد تعني ربحًا نظريًا وخسارة محتملة، إذ عادة ما تؤدي الحروب في مناطق إنتاج الطاقة إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما يمنح الدول المصدّرة متنفسًا ماليًا. غير أن الوضع العراقي يختلف لسببين رئيسين:

1. الهشاشة الأمنية التي قد تجعل منشآته جزءًا من دائرة الاستهداف.

2. الاعتماد شبه الكامل على العائدات النفطية لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية.

بمعنى آخر، فإن أي انقطاع، ولو جزئي، في الإنتاج أو التصدير قد ينعكس فورًا على قدرة الحكومة في الإيفاء بالتزاماتها المالية، حتى لو ارتفعت الأسعار عالميًا.

ولا يقف أثر الحرب عند حدود القطاع النفطي، بل يمتد إلى مجمل المشهد الاقتصادي:

1- سعر الصرف والسيولة الدولارية

يعتمد العراق على تدفق الدولار الناتج عن بيع النفط، وأي تراجع في الصادرات يعني ضغطًا على الاحتياطي النقدي، ما قد يؤدي إلى تقلبات في سعر صرف الدينار وارتفاع معدلات التضخم.

2- الاستثمار الأجنبي

قد تعيد الشركات الدولية العاملة في قطاع الطاقة تقييم وجودها، أو تقلص أنشطتها مؤقتًا لأسباب أمنية، ما يؤثر على خطط التوسع والإنتاج المستقبلي.

3- الموازنة العامة

في حال تراجع الإيرادات النفطية، ستواجه الحكومة خيارات صعبة:

• تقليص الإنفاق الاستثماري.

• زيادة الاقتراض الداخلي أو الخارجي.

• اللجوء إلى إجراءات تقشفية قد تكون لها تبعات اجتماعية.

وتكشف الأزمة الحالية، مرة أخرى، هشاشة وعمق المشكلة البنيوية في الاقتصاد العراقي، المتمثلة في الاعتماد المفرط على مورد واحد. فعندما يتعرض النفط لاهتزاز أمني أو سياسي، يهتز معه كامل الهيكل المالي للدولة.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يدفع العراق إلى مرحلة من الانكماش المالي، خاصة إذا تزامن تراجع الصادرات مع اضطرابات في الأسواق الداخلية.

ورغم سوداوية المشهد، يرى بعض المحللين أن ارتفاع الأسعار قد يمنح بغداد فرصة لتعزيز احتياطاتها المالية، شريطة استمرار التصدير دون انقطاع كبير. لكن هذه الفرصة تبقى رهينة الاستقرار الأمني وقدرة الدولة على تحييد منشآتها الحيوية عن ساحة الصراع.

وفي الختام، يمكن القول إن الحرب الدائرة تضع النفط العراقي في قلب معادلة إقليمية شديدة التعقيد. فبين مكاسب سعرية مؤقتة ومخاطر تشغيلية جسيمة، يقف الاقتصاد العراقي أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساته على إدارة الأزمات.

وفي المحصلة، لا تكمن الخطورة في ارتفاع أو انخفاض الأسعار فحسب، بل في انكشاف الاقتصاد الوطني أمام صدمات خارجية متكررة. فكلما طال أمد الحرب، تعاظم السؤال الأهم:

هل يستطيع العراق حماية شريانه النفطي من تداعيات صراع لا يملك قراره؟






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...