حليم سلمان - في زمنٍ أصبحت فيه التغريدة حدثاً سياسياً، والضجيج الإعلامي أداة ضغطٍ يومية، يبرز نمطٌ مختلف من السياسيين، أولئك الذين تعلّموا من التجربة، أن الدول لا تُدار بردود الأفعال، بل بالقرار الهادئ والحسابات الطويلة. ومن بين هؤلاء يبرز اسم نوري المالكي، أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في السياسة العراقية بعد عام غزو العراق 2003.
المالكي لا يخاف من تغريدة، لأن تجربته السياسية الطويلة جعلته يدرك أن الضوضاء الإعلامية لا تصنع سياسة، ولا تغيّر مسار دولة. فقد عرفه العراقيون في أكثر المراحل حساسية من تاريخهم الحديث، عندما كانت التحديات الأمنية والسياسية تحيط بالعراق من كل اتجاه، وكان الإرهاب يهدد بنية الدولة ومؤسساتها.
في تلك اللحظات الصعبة، بَزَغَ المالكي كقائدٍ يتحمل المسؤولية، في وقت لم يكن المشهد العراقي آنذاك بسيطاً، انقسامات سياسية حادة، صراعات طائفية، تدخلات إقليمية، وتنظيمات متطرفة تحاول إسقاط الدولة من الداخل. ومع ذلك، دخل المالكي إلى تلك المرحلة بقرار واضح، تثبيت سلطة الدولة ومنع انهيارها.
لقد قاد العراق في مرحلة مفصلية، واضعاً نصب عينيه هدفاً أساسياً هو حماية وحدة البلاد. وخلال تلك السنوات واجهت الحكومة تحديات قاسية، من المواجهة مع الجماعات الإرهابية إلى محاولات إضعاف مؤسسات الدولة وتقويض هيبتها. وبالرغم من الجدل السياسي الذي أحاط بتجربته، يبقى المالكي واحداً من أكثر القادة حضوراً وتأثيراً في مسار العراق السياسي بعد 2003.
أنصار المالكي، وخصومه، يرونه ممثلاً لمدرسة سياسية تقوم على الصبر الاستراتيجي والتمسك بسلطة الدولة. فبالنسبة لهم، لم يكن الرجل مجرد رئيس حكومة، بل زعيمٌ واجه واحدة من أعقد المراحل في تاريخ العراق الحديث، وسعى إلى الحفاظ على استقرار البلاد في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
في نظر مؤيديه، ومعارضيه، لا يُقاس القائد بعدد التغريدات أو بحجم الضجيج الإعلامي حوله، بل بقدرته على إدارة الأزمات واتخاذ القرار في اللحظات الصعبة. ولهذا يرون في المالكي رجل دولة خبر دهاليز السياسة، وأتقن التعامل مع التوازنات الداخلية والإقليمية، واضعاً مصلحة العراق فوق كل اعتبار.
وهكذا، يبقى نوري المالكي، رمزاً لمرحلة سياسية حاسمة، ورجلاً يلعب دوراً محوريا ايجابيا في محاولة تثبيت كيان الدولة العراقية في واحدة من أكثر فترات تاريخها الحديث تعقيدا.