📁 آخر الأخبار

مصلحة العراق أولاً… بين مرونة القرار وضغوط المرحلة

سلام جاسم الطائي - كاتب وباحث بالشأن السياسي 

يقف العراق اليوم عند مفترق سياسي بالغ الحساسية، حيث لم يعد استحقاق تشكيل الحكومة شأناً إجرائياً محكوماً بتوقيتات دستورية فحسب، بل تحوّل إلى اختبار عميق لقدرة النظام السياسي على حماية الدولة وصيانة مصالحها العليا. فالتعقيدات الداخلية المتراكمة، مقرونة بالضغوط الإقليمية والدولية، تجعل من أي قرار يُتخذ في هذه اللحظة قراراً مصيرياً تتجاوز نتائجه حدود الولاية الحكومية المقبلة.

في هذا السياق، يعيش الاطار التنسيقي وضعاً سياسياً معقداً في ظل ما يشبه الانسداد الناتج عن ترشيح السيد نوري المالكي مرشحاً لرئاسة الوزراء. فالمسألة لم تعد مرتبطة بجدل الأسماء بقدر ما ترتبط بمدى قدرة التحالفات على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وتقديم رؤية متماسكة تطمئن الشارع والقوى السياسية الأخرى، وتمنع الانزلاق إلى فراغ جديد.

إن الإصرار غير المحسوب قد يفاقم الانقسام الداخلي ويضعف القدرة على تأمين الاستحقاق الدستوري، في حين أن التراجع غير المنظم قد يُفسَّر بوصفه ارتباكاً سياسياً. وبين هذين الخيارين، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر مرونة، قوامها قراءة دقيقة لموازين القوى، وتغليب منطق الدولة على منطق الغلبة.

المرحلة الراهنة تتطلب تعاوناً داخلياً أوسع داخل الإطار، بما يعزز وحدة الموقف ويمنع تشظي القرار. فالانقسام لا يضعف الكتلة المعنية فحسب، بل يبعث برسائل سلبية إلى الداخل والخارج معاً. الحفاظ على وحدة الصف ليس مسألة شكلية، بل هو شرط أساسي لحماية الاستقرار السياسي ومنع استثمار الخلافات من قبل أطراف خارجية.

ولا يمكن تجاهل ما يُتداول عن ضغوط ورسائل أميركية في هذا التوقيت، إن وضع هذه المعطيات في الحسبان لا يعني الارتهان لها، بل يستدعي تعاملاً واقعياً ومسؤولاً معها. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي وتشابك مصالحه، لا يستطيع أن يتعامل مع المتغيرات الدولية بمنطق العناد أو الانفعال، بل بمنطق التوازن وحسن إدارة العلاقات.

إن العراق وقواه السياسية الثابتة والواضحة والمتصدية اليوم بحاجة إلى مرشح لرئاسة الوزراء يمتلك القدرة على قيادة التوازنات الداخلية بحكمة، ويُحسن التعامل مع الضغوط الخارجية بمرونة سياسية تحفظ السيادة ولا تعرّض البلاد لعزلة مكلفة. المرشح الأكثر حظوظاً هو من يستطيع أن يجمع ولا يفرّق، وأن يدير الخلافات بدل أن يوسّعها، وأن يطمئن الداخل قبل أن يفاوض الخارج.

الأحداث المتسارعة في المنطقة تلقي بظلال ثقيلة على الداخل العراقي، ما يجعل الإسراع في حسم ملف تشكيل الحكومة ضرورة وطنية ملحّة. فالتأخير ينعكس مباشرة على الاقتصاد والخدمات وثقة المستثمرين، ويعمّق فجوة الثقة بين المواطن والعملية السياسية. والشعب الذي شارك في الانتخابات بآمال واضحة ينتظر حكومة قادرة على الإنجاز لا على إدارة الأزمات المتكررة.




تعليقات