📁 آخر الأخبار

المالكي يعود إلى الواجهة؟ قراءة تحليلية في ترشيحه لرئاسة الحكومة واحتمالات انسحاب السوداني

عراقنا بلس - تعود الساحة السياسية العراقية مجددًا إلى دائرة التكهنات الثقيلة مع تصاعد الأنباء عن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، بالتوازي مع تسريبات تتحدث عن إمكانية تنازل محمد شياع السوداني عن الاستمرار في رئاسة الحكومة الحالية. هذا المشهد، وإن لم يُحسم رسميًا، يعكس حالة سيولة سياسية مألوفة في النظام العراقي، حيث لا تُقرأ التحولات بمعزل عن توازنات القوى داخل الإطار التنسيقي، ولا عن الضغوط الإقليمية والدولية، ولا عن المزاج الشعبي المتقلب.
نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف دولة القانون، لا يزال أحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل البيت الشيعي، رغم الجدل الكبير الذي يرافق اسمه. ترشيحه المحتمل يُفسَّر من قبل أنصاره بوصفه “عودة رجل الدولة الخبير” في مرحلة تحتاج – برأيهم – إلى قبضة سياسية قوية وإدارة صارمة للملفات الأمنية والاقتصادية. في المقابل، يرى خصومه أن إعادة طرح المالكي تمثل ارتدادًا إلى مرحلة أثبتت فشلها في إدارة التعددية السياسية واحتواء الاحتجاجات الشعبية، فضلًا عن مسؤوليتها – بحسبهم – عن تعميق الانقسام الداخلي.
أما محمد شياع السوداني، الذي جاء إلى رئاسة الحكومة بوصفه مرشح تسوية داخل الإطار التنسيقي، فقد نجح خلال فترة حكمه في تحقيق درجة من الاستقرار النسبي، خصوصًا على مستوى العلاقة مع البرلمان وتهدئة الشارع مقارنة بمرحلة سابقة. غير أن هذا “الاستقرار الهادئ” لم يتحول إلى إنجازات كبرى قادرة على تحصين موقعه سياسيًا، ما جعله عرضة لتقلبات التوافقات داخل القوى الداعمة له. الأنباء عن تنازله المحتمل – إن صحت – لا تعني بالضرورة فشلًا شخصيًا بقدر ما تعكس طبيعة النظام السياسي العراقي، حيث تبقى المناصب العليا مرهونة بميزان القوى لا بأداء الحكومة فقط.
داخل الإطار التنسيقي، يبدو أن النقاش لا يدور حول الأشخاص بقدر ما يدور حول المرحلة. هناك تيار يرى أن المرحلة المقبلة تتطلب شخصية تمتلك ثقلًا سياسيًا وقدرة على فرض شروطها في الداخل والخارج، وهو ما يُستخدم لتبرير طرح المالكي. في المقابل، يفضل تيار آخر الاستمرار بشخصية أقل استفزازًا للشارع وأخف حدة في التعامل مع القوى الأخرى، خشية إعادة إنتاج أزمات سياسية وأمنية قد لا يحتملها الوضع العراقي الراهن.
الشارع العراقي، من جهته، ينظر بحذر وريبة إلى هذه التحركات. فبالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، لا يُعد تغيير الأسماء كافيًا ما لم يُترجم إلى تغيير حقيقي في السياسات، لا سيما في ملفات الخدمات، والبطالة، ومكافحة الفساد. عودة المالكي تثير مخاوف لدى بعض الشباب والناشطين من إغلاق نافذة الإصلاح المحدودة التي فُتحت بعد احتجاجات تشرين، بينما يراهن آخرون على أن أي حكومة مقبلة – مهما كان رئيسها – ستبقى مقيدة بشبكة المصالح نفسها.
إقليميًا ودوليًا، لا يمكن فصل ملف رئاسة الحكومة عن حسابات أوسع. المالكي يُنظر إليه كشخصية ذات مواقف واضحة وصدامية أحيانًا، وهو ما قد يربك علاقات العراق الخارجية في لحظة يسعى فيها البلد إلى لعب دور توازني في المنطقة. في المقابل، قد ترى بعض القوى أن هذا الوضوح بحد ذاته ميزة في مرحلة تتكاثر فيها الضغوط.
في المحصلة، فإن ترشيح نوري المالكي واحتمال تنازل محمد شياع السوداني لا يمثلان مجرد تبديل أسماء، بل يعكسان صراع رؤى داخل الطبقة السياسية حول شكل المرحلة المقبلة. السؤال الأهم ليس: من سيكون رئيس الحكومة؟ بل: هل ستنتج هذه التحولات نموذج حكم مختلفًا، أم أنها ستعيد تدوير الأزمة ذاتها بوجوه مألوفة؟ الإجابة، كما في كل مرة، ستُكتب على أرض الواقع لا في كواليس الترشيحات.



تعليقات