التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من محراب الكوفة إلى خزينة بغداد.. عليٌّ يحاسب ونحن نغضّ الطرف

علي كريم إذهيب - بينما يحتفل المسلمون الشيعة في كل عام بعيد الغدير الأغر، حيث نُصّب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أميرًا للمؤمنين في أعظم مناسبة للولاية بعد النبوة، يبرز أمامنا جانب مهم في سيرة الإمام علي، وهو إدارته الاقتصادية العادلة والحازمة للدولة الإسلامية، التي لا تزال، رغم مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا، تمثل نموذجًا يُحتذى، خاصة إذا ما قورنت بحال الدول التي تعاني من الفساد والهدر، وفي مقدمتها العراق المعاصر.

اقتصاد قائم على العدالة والزهد

حين تولّى الإمام علي عليه السلام الحكم بعد خلافة مضطربة، كانت خزينة الدولة مثقلة بالتجاوزات والامتيازات التي نُسجت على حساب عامة الناس. واجه هذا الواقع المؤلم باقتصاد صارم قائم على العدالة الاجتماعية، الزهد الشخصي، والمحاسبة الفورية. لم يميز بين غني وفقير، أو قريب وغريب، بل ساوى في العطاء، وقسّم بيت المال بالسويّة دون محاباة.

لم يكن بيت مال المسلمين يُدّخر؛ فقد كان الإمام يأمر بتوزيعه مباشرة على الناس، وكان شعاره “ألا وإنّ لكلّ مأموم إمامًا يقتدي به، ويستضيء بنور علمه”، فكان قدوة في رفض الثراء الشخصي من أموال الأمة، حتى أن طعامه كان من أبسط ما يكون، ولباسه خشنا.

صرامة ضد الفساد والمحسوبيات

من أوائل قراراته بعد استلام الحكم، عزل الولاة الذين عُرفوا بالفساد أو الترف أو المحاباة، حتى وإن كانوا من المقربين، وأعاد الأموال المنهوبة إلى بيت المال، رغم غضب المتضررين. يقول في إحدى رسائله لعثمان بن حنيف: “أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر؟”.

لقد كانت سياسته تقشفية مدروسة، فحارب التراكم غير المشروع للثروات، وفرض رقابة مالية صارمة على عماله وولاته، ومنع أي استغلال للسلطة من أجل الكسب.

الاقتصاد العراقي اليوم.. نقيض المبدأ العلوي

عند مقارنة نهج الإمام علي عليه السلام مع الاقتصاد العراقي اليوم، تبدو المفارقة مؤلمة. العراق، رغم ثرواته النفطية الهائلة، يعاني من نظام مالي مترهّل، وفساد مستشري، وطبقات سياسية راكمت الثروات بينما يعيش أكثر من 25% من الشعب تحت خط الفقر، وتغيب العدالة في توزيع الثروات والمناصب.

الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على النفط وحده، دون تنويع ولا دعم للصناعات والزراعة، لا يشبه مطلقًا نظام الإمام علي، الذي كان حريصًا على تنمية موارد الدولة من خلال تشجيع الزراعة، وحفظ حقوق العمال والفلاحين، ومكافحة التبذير في المال العام.

دروس من علي للعراق اليوم

 • العدالة في التوزيع: أساس أي نظام اقتصادي عادل. لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض مع وجود امتيازات طبقية فاحشة.

 • محاسبة الفاسدين: العفو عن الفساد هو قتل للأمل الوطني. علي عليه السلام لم يتسامح مع من خان بيت المال.

 • الزهد في الحكم لا الترف فيه: الحاكم خادم لا مالك، وهذه فلسفة غابت عن الكثير من ساسة العراق.

 • التنمية الحقيقية لا الريعية: الإمام لم يُدِر اقتصادًا ريعيًا، بل فعالًا ومتنوعًا يخدم الإنسان لا يستهلكه.

في عيد الغدير، لا يكفي أن نحتفل بمناسبة الولاء لعلي عليه السلام، بل يجب أن نستلهم من تجربته دروسًا للدولة، وخصوصًا في الاقتصاد، حيث تكمن قوام العدل الاجتماعي واستقرار المجتمع. فلو سار العراق اليوم على نهج علي، لما كان بين شعبه فقير ولا محتاج، ولا وجد في ساحته فاسدٌ آمن من العقاب.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزيدي يعلن الطوارئ ضد الفساد ويشكر "جبهة الالتفاف الوطني

عراقنا بلس - أكد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، عزم الحكومة ومضيها بكل ثبات وحزم في ملاحقة الفاسدين واسترداد حقوق الدولة، مشدداً على عدم التراجع عن هذا النهج مهما بلغت التحديات أو تعاظمت الضغوط السياسية والمجتمعية. جاء ذلك في تدوينة له على منصة "إكس"، أشار فيها الزيدي إلى أن الحرب على الفساد وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الحالية. إشادة بالالتفاف الوطني وأعرب رئيس الوزراء عن بالغ شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي الذي وصفه بـ "صاحب الموقف الأصيل والداعم لمسيرة الإصلاح"، مثمناً في الوقت ذاته التنسيق العالي والدعم المستمر من مجلس النواب العراقي ومجلس القضاء الأعلى والمراجع الدينية العظام. وفي خطوة تعكس حجم التلاحم السياسي حول هذا الملف، وجه الزيدي خالص تقديره للقوى السياسية والوطنية الداعمة للحكومة، وفِي مقدمتها:  زعيم التيار الوطني الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر.  قادة وأعضاء الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني.  الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وكافة القوى والأحزاب الوطنية. جبهة موحدة لحماية المال الع...

من لندن إلى غزة رحلة طبيب الإنسانية

 من لندن الى غزة رحلة طبيب الإنسانية حارث احمد  من قلب الدمار و أزيز الرصاص والظلام المُخيف ، هنالك في تلك الأرض الطاهرة برز أسم الطبيب محمد طاهر الذي حملته الإنسانية من لندن إلى أكثر بقاع الأرض حربًا ضمن وفد طبي تابع لمؤسسة فجر حيث اظهر طاهر تفانية وحرصه الكبير في تقديم الرعاية الصحية بالرغم من تلقيه تحذيرات متعددة عن خطورة الموقف، الاّ أن ملك الإنسانية قرر البقاء على مسؤوليته الشخصية هذا الموقف الرجولي والمُشرف الذي عكس إلتزامه الكبير بالعمل الإنساني. الطبيب الملاك الذي عُد رمزاً للأنسانية والصمود ولد من رحم المعاناة التي يعيشها اهلنا في غزة الجريحة بردائه الابيض وهو يتقدم وسط الركام مواجها الماكنة الحربية الأشرس على وجهه الأرض ناذراً حياته وعلمه فداءا لشعب لم يعرف طعم الحياة منذ قرن كامل من الزمن لتبدأ قصة رجل عشق الشهادة سبيلاّ للسلام طاهر الذي تجسدت شجاعته في تقديم الرعاية الصحية للأطفال والجرحى ليتصدى لأول عملية نادرة من نوعها في العالم ، بعد أن  أستطاع من أعادة زرع ذراع طفلة كانت قد بُترت نتيجة القصف العشوائي الاسرائيلي لتتوالى بعدها العمليات الجراحية المعقدة حتى ش...

رئيس الجامعة التكنولوجية يشارك في المؤتمر الدولي لتطوير انظمة الاستدامة في أربيل

 بغداد - قاسم حنون شارك رئيس الجامعة التكنولوجية ا.د محسن نوري حمزة في المؤتمر الدولي الثالث لتطوير انظمة الاستدامة (3rd International Conference on Sustainability Systems Development) الذي اقيم في اربيل للمدة من 20-21 /7 / 2025 وبحضور وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البحث العلمي ا.د حيدر عبد ضهد وعدد من رؤساءالجامعات في اقليم كردستان. المؤتمر شارك فيه عدد من باحثي الجامعة التكنولوجية ببحوث علمية وهدف إلى تحسين البحث والتطوير في ضوء أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن تطوير إمكانيات الباحثين في كتابة البحوث المتعلقه بالتنمية المستدامة . وتضمن المؤتمر محاور عدة هي : تطوير انظمة الطاقة ، وتطوير التكنولوجيا والعلوم الصحية ، وتطوير الدراسات المتعلقة بالتغيرات المناخية. وقدما مدير مركز تكنولوجيا الطاقة والطاقات المتجددة ا.م.د محمد علي فياض ومدير مركز البحوث البيئية ا.د زينب بهاء محمد، محاضرات حول اهم الانجازات والانشطة الخاصة بالمراكز البحثية في الجامعة التكنولوجية ، كما تم الإجابة على جميع الأسئلة والاستفسارات التي طرحت من الحاضرين على مديري المركزين". و...